يبدو أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة ليست مجرد صراع حول العقوبات أو البرنامج النووي أو حدود النفوذ في المنطقة. ما يتشكل اليوم داخل طهران هو نقاش أكبر حول كيفية الخروج من دائرة الاستنزاف، بعدما بدأت كلفة الانتظار ترتفع، وبدأت القناعة تتقدم بأن من يريد الحفاظ على أوراقه لا يستطيع الاكتفاء بالدفاع عنها.
في إيران، يتقدم الصوت الأكثر تشدداً في مواجهة واشنطن. وبعد التطورات التي أعادت ترتيب مراكز القرار، تمكن فريق الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من تعزيز حضورهما داخل مجلس الأمن القومي، فيما شكل تولي محسن رضائي منصب أمين سر المجلس مؤشراً على صعود خطاب أكثر صرامة في التعامل مع الولايات المتحدة.
رضائي، صاحب الموقف القائل إن إيران لن تسكت عن الحصار، وإن لم يُرفع بقرار أميركي فستنهيه بالنار، يعبر عن مدرسة ترى أن التفاوض وحده لم يعد كافياً، وأن الدبلوماسية تحتاج إلى قوة تحميها وتفرض نتائجها.
وفي المقابل، يجد التيار الداعم للتفاوض والتهدئة نفسه في موقف أكثر صعوبة بعد تعثر مسار التفاهم. لكنه لم يخرج من المعادلة، إذ يدرك أن الميدان والدبلوماسية في السياسة الإيرانية وجهان لعملة واحدة. غير أن المرحلة الحالية تفرض عليه التراجع مؤقتاً لصالح الأصوات الأكثر تشدداً.
وبعيداً عن معسكرَي التهدئة والتصعيد، يحاول الرئيس السابق حسن روحاني استعادة موطئ قدم في معادلة القرار، مستنداً إلى بعض رموز حكومته السابقة، إلا أن مسعاه لم يتحول بعد إلى قوة سياسية أو شعبية مؤثرة. وفي المقابل، تبدو القيادة الإيرانية أكثر إدراكاً لكلفة الحصار على الداخل الإيراني، ما يجعل التصعيد المحتمل متدرجاً، عبر استهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية على مرحلتين الأولى باستخدام شبكة واسعة من الحلفاء، وفتح جبهات جديدة ثم الذهاب مباشرة إلى حرب مفتوحة.
وتبدو طهران أمام خيارين: إما مواصلة سياسة الاحتواء وتحمل استنزاف أوراقها تدريجياً، أو الانتقال إلى سياسة تصعيدية ترفع كلفة الحصار على الطرف الآخر أيضاً وهنا تكمن خطورة اللحظة.
إذا أصرت واشنطن على الحصار البحري والضغط المتواصل، فقد تجد إيران نفسها أمام خيار نقل المعركة من حدودها إلى مساحات أوسع. فالرد الإيراني المحتمل لن يكون بالضرورة حرباً مباشرة، بل يمكن أن يأتي عبر سلسلة تحركات متزامنة تستهدف المصالح الأميركية والإسرائيلية، وتفتح جبهات متعددة في المنطقة.
في العراق، ولبنان، واليمن، والخليج، والبحر الأحمر، كلها ساحات يمكن أن تتأثر بأي قرار إيراني كبير. وإذا قررت طهران أن معركتها لم تعد دفاعاً عن موقعها، بل معركة لكسر الحصار، فإنها قد تعمل على تحويل الضغط المفروض عليها إلى أزمة إقليمية شاملة.
وهنا تحديداً تكمن قدرة إيران على قلب الطاولة.
فإيران لا تحتاج إلى الانتصار في كل ساحة، بل إلى جعل جميع الساحات تتحرك في وقت واحد، بحيث يصبح احتواء التصعيد أكثر كلفة من الاستمرار في التفاوض.
قد تكون طهران تعلم أن الحرب الشاملة تحمل مخاطر هائلة، وتدرك بأن ننياهو يريد ذلك ولكن إذا شعرت أن الخناق يضيق وأن أوراقها تتساقط، فإن خيار نقل المعركة إلى كل الساحات سيصبح وارداً بقوة.
في هذه اللحظة، لن تكون المسألة مجرد رد على حصار أو ضربة، بل معركة قوة وانتقام. والقوة هنا ليست في إطلاق النار فقط، بل في القدرة على تغيير قواعد اللعبة وإجبار الخصوم على دفع ثمن خياراتهم.
أما الانتقام، فقد لا يأتي سريعاً ولا معلناً. قد يأتي على شكل عاصفة تتوسع تدريجياً، وتخلط أوراق المنطقة، وتعيد رسم خطوط المواجهة.
ولهذا، فإن أخطر سيناريو ليس أن تدخل إيران حرباً واحدة، بل أن تقرر أن تجعل كل المنطقة ساحة حرب، وأن تقلب الطاولة على الجميع دفعة واحدة. عندها لن تكون المعركة بين إيران وأميركا فقط، بل معركة مفتوحة قد تهز الشرق الأوسط والعالم أيضاً.