[بينما كانت الهاغاناه تحاول إقناع الفلسطينيين بالخضوع ومغادرة بيوتهم في فلسطين بسرعة، جعلنا نحن الفلسطينيين يرون بأم العين في دير ياسين وكفر قاسم ماذا ينتظرهم إذا هم لم يغادروا!]
كان هذا مختصر ما كتبه مناحيم بيغين في مفكرته حول نكبة ١٩٤٨...
من ١٩٤٨ إلى يومنا هذا؛ ماذا تغيّر؟
بل على الأصح كيف تطور الفكر العربي تجاه سياسة التهجير القسري والتطهير العرقي وفق الوصف العلمي الذي أورده العالم الإسرائيلي المعادي للصهيونية البروفيسور إيلان بابيه...
بل كيف تطور الفكر السُنّي منذ اغتصاب القبلة الأولى الى تشكيل درع واقِِ لحماية الغزاة والمستوطنين امتدادا من الخليج وصولا الى الأردن ومصر والسودان والصومال!...
في مقابلة على موقع The great simplification، أعطى البروفيسور روبرت بيب مثلا عن الخضوع للتنمر سواء في مدرسة أو في شارع أو حتى بين الدول لشرح عقل وسياسة دونالد ترامب!...
كما في المدرسة، كذلك بين الدول؛ طالما أن المتنمر يحصل على ما يريد فهو لن يتوقف، وسوف يذهب أبعد وأبعد كل يوم...
أما إذا تم التصدي له مهما بلغت الكلفة، فهذا كفيل بردع هذا المتنمر وكبح جماح طمعه ورغباته لأنه يعرف ان عليه دفع الثمن!...
في قصة شخصية طريفة، سرد البروفيسور بيب ما حصل معه في المدرسة حين كان في الصف الرابع ورأى متنمرا من الصف السادس يضرب الأولاد وينتزغ منهم ما عندهم ولا يتوقف عن ضربهم قبل أن يعاود الفعل نفسه في اليوم التالي...
صمّم الطفل روبرت بيب عدم الإذعان وهمّ بمهاجمة المتنمر ما أن اعترض هذا الأخير طريقه...
يقول روبرت إن العراك لم يكن متكافئا؛
"لقد خرجت بعدة لكمات وعين متورمة زرقاء؛ لكن المتنمر عرف انه لن يحصل على ما يريده مني دون عراك!"
"فكفّ شره عني!"
يضيف البروفيسور روبرت بيب...
ما يحصل بين المتنمر والضحية هو تماما ما يحصل بين أميركا وإسرائيل من جهة، والشعوب في فلسطين ولبنان والعراق واليمن وسوريا وإيران وحتى الدول الخاضعة للإمبريالية من جهة أخرى!...
طالما جوزيف عون ونواف سلام ومن ورائهم كل من وافق على اتفاق ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٤ قد أعطوا الأميركي والاسرائيلي كل شيء وتلقى لبنان وأهل الجنوب والبقاع والضاحية الضربات دون ردّ طيلة خمس عشر شهرا، استمر الأميركي والاسرائيلي بتوجيه الضربات دون خوف لأنهما لا يدفعان أثمانا!...
وكما ردّد نتنياهو نفسه بأن إسرائيل ربحت بالقوة وبالخداع؛ فقد عرف أن حزب الله سوف يخضع للسلطة كما فعل أكثر من مرة، وهكذا،
كما خسرنا الخيام وبنت جبيل بفضل الخضوع لعقلية التوازنات الطائفية وعقلية السلطة العميلة ووجوب مراعاة وجود النازحين تحت رحمة عملاء أميركا وإسرائيل في المناطق، عدنا وخسرنا قلعة الشقيف وحداثا، ونحن نخسر اليوم المنصوري بانتظار ان يتكون قرار فعلي بالمواجهة بعيدا عن الغموض لأن هذا الغموض ليس بنّاء على الإطلاق كما يحاول بعض المحللين الإيحاء، خجلا أو جهلا، او الإثنين معا!...
ثم يكمل البروفيسور روبرت بيب قائلا أن التنمر عند ترامب انتقل بسرعة إلى سياسة العقاب والارتفاع بدرجات هذا العقاب إلى الحدّ الأقصى وصولا إلى الإبادة؛
ما يفعله ترامب، يكرره الإسرائيلي بعنف أكبر ورعونة أقسى!...
يحدّثنا البروفيسور روبرت بيب عن قيام النازيين الألمان بقصف لندن وغيرها من المدن البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية بشكل وحشي كان يؤدي إلى آلاف وحتى عشرات الآلاف من الضحايا في تلك الايام العصيبة...
كان هذا هو العقاب الذي أراد هتلر إنزاله ببريطانيا لعلها تستسلم وتتركه يكمل بسط سيطرته على القارة الأوروبية...
هذا ما فعلته إسرائيل ومعها، ومن ورائها، أميركا في حرب الإثني عشر يوما في حزيران ٢٠٢٥...
كان ترامب يريد معاقبة إيران لاجبارها على التنازل، التخلي عن الحلفاء وتقديم فروض الطاعة ليتسنى لاسرائيل السيطرة المطلقة على العالم العربي!
كان يردد دائما إنه لا يفهم كيف أن إيران لم تخضع بعد!
ما فعلته إيران هو نسبة قليلة جدا مما فعله تشرتشل في الحرب العالمية الثانية:
قام تشرتشل بعزل القيادة الجوية التي كانت ترد على النازيين الألمان عبر استهداف المؤسسات الاقتصادية لإلحاق الأذى بهتلر، ثم عيّن قيادة جديدة طلب منها البدء بغارات عنيفة وتعمّد قتل المدنيين الألمان، وطلب رقما مذهلا...
أراد الوصول إلى مليون قتيل مدني ألماني...
وقد حصل على ٩٠٠ الف ضحية مدنية ألمانية في بضعة أسابيع ما أُضطر النازيون الألمان إلى التراجع والتخفيف من القصف الوحشي البربري للمدن البريطانية...
هذا ما حصل حين ردّت إيران بعنف أجبر الإسرائيليين والأميركيين على طلب وقف إطلاق النار قبل أن تعود حليمة إلى عادتها القديمة في الثامن والعشرين من فبراير شباط ٢٠٢٦ حين تهيأ لهم إن إيران قبلت عن ضعف بوقف النار ولم تذهب أبعد إلى حدّ إقفال مضيق هرمز منذ حرب الإثني عشر يوما، كما فعل تشرتشل بالألمان حين رد على قتل عشرات الآلاف من البريطانيين بقتل ٩٠٠ الف ألماني مدني بريء!...
ما حصل في لندن في الحرب العالمية الثانية حصل عندنا في جنوب لبنان في التسعينيات يوم قامت المقاومة بقصف المستوطنات ردا على قصف القرى والبلدات اللبنانية ما اجبر شيمون بيريز على القبول بتفاهم نيسان الذي نص على حرية العمل المقاوم ضد قوات الاحتلال وتحييد المدنيين على طرفي الحدود!
المقاومة الإسلامية التي عرفت كيف تفاوض سنة ٩٦ ثم بقدر أقل، سنة ٢٠٠٦؛ عادت ووقعت "طب!" يوم وافقت على بنودٍِ أقل ما يقال فيها أنها مهزلة!
كان اتفاق ٢٧ نوفمبر استمرارا لنهج الصبر مقابل التصعيد بدل التصعيد مقابل التصعيد!
وتكاثر الحديث عن الصبر الاستراتيجي وسياسة حياكة السجاد الإيراني والذبح بالقطنة حتى استفقنا على اغتيال القادة وعلى رأسهم سماحة الشهيد الأسمى السيد حسن نصرالله وبعده السيد هاشم صفي الدين..
سقط الردع حين عرفت إسرائيل وأميركا أن حزب الله سنة ٢٠٢٣ لم يعد حزب الله التسعينيات لأنه قبِل العذر الإسرائيلي القبيح عند استهداف الشيخ صالح العاروري في الضاحية؛ ثم كرت السُبحة:
إسرائيل تضرب عدة ضربات قبل أن يرد حزب الله بضربة دون المستوى...
نجحت أميركا وإسرائيل بتثبيت ما عرفته سابقا عبر مؤسسات الجاسوسية العربية والعالمية، ومؤتمرات فك شيفرة حزب الله في ابو ظبي!
حين صرخ الكثيرون في بيئة المقاومة يطالبون بالرد بقوة حتى لا يتجرأ الإسرائيلي على اغتيال السيد نصرالله، تعامل حزب الله، وتعاملت إيران، بخفة بهذه المعادلة رغم معرفة إيران ومعرفة قيادة الحزب أن مضيق هرمز وباب المندب والقواعد الأميركية واقتصاد الخليج التابع لأميركا وإسرائيل وحتى البحر المتوسط... كل ذلك يمكن تعطيله كما حصل جزئيا الآن بعد أن قام الأميركيون والإسرائيليون بإظهار نياتهم التي لا تقتصر على تغيير النظام في إيران والسيطرة على المنطقة، بل تذهب إلى حدّ تفتيت إيران ودول المنطقة بالكامل وتعميم الصوملة على العالم العربي وغرب آسيا...
هل فات الأوان؟
من المؤكد أن إيران قد "لحقت بنفسها" وباتت خارح المصيدة الأميركية الإسرائيلية الى حدّ ما، بعد أن قامت بتدمير القواعد الأميركية وتهديد الإقتصاد العالمي والنيل من المؤسسات الخليجية التي كانت ولا تزال تشكّل خزنة تمويل المشروع الأميركي الإسرائيلي في المنطقة، دون أن يعني ذلك زوال الخطر بشكل نهائي...
فالمطلوب من إيران مزيد من إلحاق الخسائر ومزيد من القدرة العسكرية للانتقال من الدفاع إلى الهجوم الاستباقي كما يحلل بحق البروفيسور روبرت بيب...
الأمر نفسه ينطبق على أنصار الله الذين باتوا في وضع أفضل بكثير، وبإمكانهم أخيرا توجيه ضربات مميتة لوكر الإمبريالية الأميركية في السعودية، كبرى المستعمرات الأميركية في الخليج ( في الخليج لا يوجد دول عربية، ولا اقتصاد عربي، ولا نفط، ولا ثروات عربية؛ هذه مجرد مستعمرات يحلبها الأميركي والاسرائيلي)..
أما استماتة تركيا وباكستان في الدفاع عن هذه الأوكار، خاصة مع اتفاق مكة باسم أهل السُنّة والجماعة؛ فهذا لا علاقة له، لا بالسُنّة، ولا بالجماعة، ولا بالأديان اصلا؛ ولا بالإنسانية؛
تحالف اتفاق مكة، كما بقية جوقة حسب الله من النظام الرسمي العربي والإسلامي ليسوا اكثر من خدم وعبيد للإمبريالية الأميركية الراعي الأساسي لمن اغتصب القدس وأرض الإسراء والمعراج في فلسطين...
لكن ما نجح أنصار الله به، وما تكاد إيران أن تنجح به، لا يزال موضع شك في لبنان والعراق بعد سقوط سوريا وتحول النظام هناك من الفساد والإهتراء إلى الخيانة والعمالة الكاملة؛ صارت سوريا مستعمرة أخرى تشبه الخليج ومصر والأردن والمغرب وغيرها!...
طالما أن جماعات المقاومة العراقية لا تقوم بتوجيه ضربة قاضية إلى عملاء أميركا في العراق سواء عند الأكراد أو حتى في داخل السلطة العراقية المتمثلة بحكومة علي الزيدي الذي لا يمت إلى الزيدية بصلة، وبرلمان يرتع فيه العملاء، فإن الخطر قائم، ويمكن أن نصحو يوما لنرى العراق وقد سقط هو الآخر كما سوريا لأن الامبريالية الأميركية تتظاهر بالنوم لكنها صاحية جدا وسوف تقوم بنزع أسنان المقاومة العراقية عندما تكتمل مسرحية حصر السلاح في يد "الدولة!!"...
أما حزب الله في لبنان، فوضعه محرج جدا...
على الأقل، هذا ما تشي به ظواهر الأمور!
فالحرب من وضع سيء إلى وضع أسوأ!
ليس بسبب غياب اسباب القوة، بل بسبب غياب قرار بدء المواجهة مهما كلّف الأمر!...
تأجيل مواجهة إسرائيل بانتظار تأمين ظهر المقاومة من غدر السلطة اللبنانية العميلة أو حزبي القوات والكتائب أو السلطة السورية الحالية الغارقة في العمالة مع اتباعها من عملاء التكفير في لبنان لن يُجدي نفعا...
فالأحوال في لبنان لن تتحسن!...
العملاء يزدادون قوة كلما تأخرنا نحن بمواجهتهم...
أخطأ حزب الله، وأخطأت المقاومة يوم كانت تملك القدرة المطلقة على تصفية العملاء كما يقول المنطق، ولم تفعل؛
إذا أراد حزب الله تغيير المعادلات ما عليه سوى اتخاذ قرار المواجهة والكف عن أحاديث التوك شو، والتصريحات التي تحبط الناس، والتوقف عن التفتيش عن الوطنية في بحر من العمالة!
نحن لسنا ضعفاء!
لم نكن ضعفاء يوما!
نحن ارتكبنا أخطاء كان في إمكاننا تجنبها!
ما ظهر في رواية الإعلامي رضوان مرتضى حول البيجرز يظهر مدى قوتنا التي عطلناها بارتكاب محور المقاومة أخطاء استراتيجية حين استورد ما كان بإمكان إيران تركيبه...
ركّبنا الصواريخ والمسيّرات بالهندسة العكسية ثم أهملنا سلاح البيجرز!
لم نتوقف عن المطالبات بالاتجاه شرقا، ثم اشترينا البيجرز من هنغاريا، الدولة الأقرب إلى إسرائيل ومعاداة العرب والمسلمين!...
لن يسامحنا التاريخ!
لن تسامحنا الأجيال المقبلة إذا لم نتخذ القرار ونقوم بتنظيف المنطقة من رجس بني صهيون وعملائهم.