تتزايد المؤشرات التي توحي بأن منطقة الشرق الأوسط تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، مع تصاعد الاستعدادات العسكرية الأمريكية -الإسرائيلية من جهة والإيرانية من جهة أخرى ، وتنامي احتمالات انتقال المواجهة إلى مستوى أوسع (حرب شاملة ) .
لكن، رغم كثافة التحركات والرسائل المتبادلة، يبقى من الصعب الجزم بأن قرار الحرب الشاملة قد اتُخذ، أو معرفة كيف يمكن أن تبدأ، ومن سيكون الطرف الذي يطلق شرارتها الأولى.
في الجانب الأمريكي، تبرز التحركات العسكرية المتزايدة، ولا سيما تعزيز القدرات الجوية والبحرية وإستدعاء قدرات عسكرية أمريكية من أوربا وأسيا . وتزويد اسرائيل بقنابل حديثة ورفع مستوى الجاهزية.
وقد تعكس هذه التحركات استعداداً لخيارات متعددة، تبدأ بالردع والضغط وقد تصل إلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة إذا صدر القرار السياسي بذلك. وفي المقابل، تبدو إيران في حالة استعداد مرتفع، وهي تدرك أن أي هجوم واسع عليها لن يبقى محصوراً داخل حدودها، ولذلك من المرجح أن تكون قد أعدت مجموعة من السيناريوهات للرد، سواء بقدراتها المباشرة أو عبر ساحات إقليمية مرتبطة بها أو بالتزامن مع حلفائها بشكل مشترك .
وهنا قد يدخل اليمن والعراق ولبنان بصورة مباشرة في المعادلة. فأي تصعيد ضد إيران قد يفتح الباب أمام عمليات عسكرية ضد مواقع الحوثيين في اليمن، أو يوسّع المواجهة في البحر الأحمر وباب المندب. كما أن لبنان يبقى ساحة شديدة الحساسية، خصوصاً إذا انتقلت المواجهة إلى جبهة جديدة مرتبطة بالصراع الإقليمي. وبذلك قد لا تكون الحرب، إذا اندلعت، مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، بل صراعاً متعدد الجبهات يمتد من الخليج إلى اليمن والعراق ولبنان وربما مناطق أخرى.
ويزداد المشهد خطورة مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز وباب المندب. فالمضيقان ليسا مجرد ممرات مائية، بل جزء أساسي من أمن الطاقة والتجارة العالمية. وأي تعطيل واسع لحركة الملاحة يمكن أن يدفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات أعلى، ويرفع تكاليف النقل والتأمين والاستيراد، ويزيد الضغوط على اقتصادات تعاني أصلاً من أزمات متراكمة.
وتبرز أيضاً نتائج الرهانات السابقة. فقد راهن ترامب ونتنياهو في مراحل سابقة على تحقيق نتائج سريعة، وعلى أن تؤدي الضغوط العسكرية إلى حسم كبير في مواجهة إيران خلال فترة قصيرة. لكن الوقائع أظهرت أن المعادلة أكثر تعقيداً، وأن التصعيد العسكري لا يعني بالضرورة الوصول إلى استقرار سريع، بل يمكن أن يترك المنطقة في حالة أطول من عدم اليقين، مع انعكاسات واضحة على الأمن وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
الأخطر أن هامش الخطأ أصبح ضيقاً جداً. فقد تبدأ المواجهة بضربة محدودة، لكنها قد تتدحرج بفعل الردود المتبادلة إلى حرب أوسع لا يملك أي طرف ضمان مسارها أو نهايتها.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: من سيبدأ الحرب؟ بل ماذا سيحدث بعد الضربة الأولى
بين الاستعداد الأمريكي - الإسرائيلي والجاهزية الإيرانية، وبين هرمز وباب المندب، واليمن ولبنان، تقف المنطقة أمام لحظة شديدة الحساسية. وقد يكون ما ينتظر الشرق الأوسط جولة جديدة وكبيرة من التصعيد، أو تسوية تمنع الانفجار. لكن المؤكد أن المنطقة لا تحتمل طوفاناً جديداً، لأن كلفة أي حرب واسعة لن تُقاس فقط بالصواريخ والخرائط، بل بما ستتركه من خسائر بشرية واقتصادية، وما قد تسببه من اضطراب طويل في أمن المنطقة والعالم.