بقلم (عباس المعلم )
ليلة الحرب الساخنة على إيران لم تُلغَ، بل جرى كسر إيقاعها في اللحظة الأخيرة، بعدما استُنزف عنصرها الأثمن ؟ المفاجأة ،، فالتصعيد الأميركي المتواصل على مدى ما يقارب الأسبوعين حوّل الضربة من حدث صاعق إلى سيناريو مكشوف، وأدخلها في حسابات الكلفة والعائد، لا في منطق الحسم الخاطف.
من حيث الجهوزية العسكرية، كانت أدوات الحرب مكتملة ! قاذفات استراتيجية أقلعت، حاملات طائرات تموضعت في مسرح العمليات، وطائرات التزويد بالوقود انتشرت في فضاء إقليمي مثقل بالتوتر. غير أن اكتمال الأداة لا يعني اكتمال القرار، خصوصاً عندما تكون النتائج المحتملة غير قابلة للضبط، وسقف الرد المقابل مفتوحاً على احتمالات تتجاوز الحساب الأميركي التقليدي للردع.
السرديات التي أُطلقت لتفسير التراجع الأميركي في اللحظات الأخيرة حاولت تغليف القرار بأسباب إنسانية أو دبلوماسية، !! من وقف ما سُمّي «إعدام المتظاهرين» في إيران، إلى تسريبات عن اتصالات مباشرة بين عباس عراقجي و ويتكوف، مدعومة بوساطات عُمانية وسعودية وقطرية. إلا أن العامل الحاسم كان استراتيجياً بامتياز، تمثّل في تقارير أجهزة الأمن القومي والاستخبارات الأميركية التي خلصت إلى خلاصة مركزية ،، لا ضمانة لإسقاط النظام الإيراني، ولا حتى لإضعافه بالقدر الذي يسمح بتمكين معارضيه من السيطرة على الأرض، بل إن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو ارتداد الضربة لمصلحة النظام، عبر إعادة إنتاج شرعيته الداخلية وتوحيد بيئته السياسية والاجتماعية خلفه تحت منطق المواجهة مع العدو الخارجي.
في المقابل، سعت إسرائيل، بوصفها الطرف الأكثر اندفاعاً نحو المواجهة، إلى إنتاج رواية بديلة تُحمّل تأجيل الضربة لعامل الجهوزية الدفاعية في مواجهة رد إيراني محتمل ! غير أن هذه الرواية، وإن بدت تقنية في ظاهرها، تعكس قلقاً أعمق لدى تل أبيب من حرب تتجاوز مفهوم «الضربة الوقائية»، وتتحول إلى مواجهة طويلة تُنقل فيها المعركة إلى العمق الإسرائيلي سياسياً وأمنياً واقتصادياً، بما يضرب ركائز الردع التقليدي الذي قام عليه الكيان.
لكن القراءة الأعمق تكشف أن العامل الإيراني كان الأكثر تأثيراً في تعطيل لحظة الحرب ،، فقد أدارت طهران المشهد بمنطق الدولة التي تستعد لصراع وجودي لا لرد فعل ظرفي. داخلياً، جرى تفكيك بؤر احتجاج مسلح ذات طابع تخريبي، سرعان ما اتخذت أبعاداً عرقية وطائفية، بما يشير إلى وظيفة تتجاوز الاحتجاج الاجتماعي إلى محاولة تفجير الداخل. أعقب ذلك استعراض قوة شعبية منظمة، عبر حشود مليونية منضبطة في مختلف المحافظات، أعادت تثبيت معادلة الدولة وقاعدتها الاجتماعية في مواجهة سيناريو الفوضى والانهيار.
خارجياً، أطلقت الدبلوماسية الإيرانية رسائل مباشرة وصريحة إلى دول الجوار وإلى واشنطن، مفادها أن أي ضربة أميركية لن تبقى في إطارها، وأن الرد لن يكون رمزياً ولا محصوراً ،؟ جرى تثبيت معادلة ردع جديدة تعتبر القواعد الأميركية في المنطقة أهدافاً مشروعة، وتضع إسرائيل في قلب المواجهة باعتبارها الامتداد العملياتي الأول للنفوذ الأميركي، لا طرفاً محايداً أو منفصلاً. وبالتوازي، رفعت القيادة الإيرانية سقف خطابها من إدارة أزمة إلى إدارة صراع وجودي، مؤكدة أن أي حرب مقبلة لن تُدار بمنطق تبادل الرسائل، بل بمنطق كسر الإرادات، مع جاهزية كاملة لفرض أمن داخلي صارم وإغلاق الهوامش الرمادية التي يمكن استثمارها في زمن الحرب.
بناءً على ذلك، فإن القول بانتهاء الحرب قراءة سطحية. ما جرى هو إعادة تموضع مؤقتة بعد جولة اشتباك غير معلنة، جمعت بين الضغط العسكري، والتخريب الداخلي، والحرب النفسية. أما الحديث عن عودة المفاوضات الأميركية–الإيرانية، فلا يزال أقرب إلى إدارة التوتر منه إلى مسار تفاوضي متكامل، ويقتصر على قنوات اتصال تقنية حول الملف النووي والبرنامج الصاروخي وملف المعارضة.
في المقابل، تتمسك طهران بخطوط حمراء صلبة ، لا تفاوض على الصواريخ، ولا تدخل في الشؤون الداخلية، مع انفتاح مشروط على الملف النووي ضمن معادلة سيادة كاملة ورفع شامل للعقوبات وضمانات بعدم استهداف البنية التحتية البشرية والمادية للبرنامج. غير أن هذه المقاربة تصطدم برهان أميركي ثابت، يقوده ترامب، على تغيير النظام كمدخل لإعادة هندسة الدور الإيراني إقليمياً واقتصادياً.
هذا الرهان لا ينفصل عن البعد الجيو–اقتصادي الأوسع للصراع، حيث لا تُستهدف إيران بذاتها فقط، بل بوصفها عقدة مركزية في استراتيجية تطويق الصين عبر التحكم بمصادر الطاقة العالمية. فبعد تضييق الخناق على روسيا، ومحاولات إعادة ضبط المشهد النفطي في فنزويلا، وإحكام السيطرة على القرار النفطي الخليجي، يبقى النفط الإيراني أحد آخر المفاصل التي تحول دون خضوع بكين الكامل لمنظومة الطاقة التي تقودها واشنطن. إخضاع هذا المورد يعني عملياً دفع الصين إلى زاوية الارتهان القسري للمصدر الأميركي بشروطه السياسية والاقتصادية.
في ميزان الجولة الأخيرة، يمكن القول إن إيران نجحت في كبح الاندفاعة الأميركية وإجبار واشنطن على التراجع التكتيكي عن خيار الحرب المباشرة، لكنها دفعت ثمناً داخلياً وأمنياً نتيجة موجة تخريب منظمة واستنفار طويل استهلك جزءاً من جاهزيتها الدفاعية والعسكرية. ومع ذلك، فإن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، تحكمها معادلة «اللاحرب–اللاسلم»، حيث تتراجع الحروب الشاملة دون أن تُلغى، وتتصاعد الصراعات المركبة التي تمتد من الأمن إلى الاقتصاد، ومن السياسة إلى الهوية.
استراتيجياً، بات واضحاً أن الصراع الحقيقي والمقبل هو بين إيران وإسرائيل، لا بين إيران والولايات المتحدة. هذه مواجهة مؤجلة لا ملغاة، وأسباب اندلاعها تتراكم بثبات يفوق بكثير أسباب تفاديها. أما واشنطن، فستبقى لاعب الظل الثقيل، تدفع وتضغط وتحرّض، لكنها تحرص على ألا تكون في الواجهة إلا بقدر ما يحفظ هيبتها دون أن يستنزف قوتها. وإن حصل تدخل عسكري أميركي لاحق، فسيبقى محكوماً بسقف ضربات محدودة، مدروسة جغرافياً وسياسياً، لا تُدخلها في حرب استنزاف مفتوحة، ولا تعيد إنتاج كوابيس العراق. وفي هذا المشهد، لا تُقاس الانتصارات بعدد الضربات، بل بقدرة كل طرف على فرض روايته، وصون تماسكه الداخلي، ومنع خصومه من تحويل الزمن إلى سلاح ضده.
عباس المعلم - كاتب سياسي