الصفيحات الدموية تُستخدم كـ«سعاة أذكياء» لإيصال الأدوية مباشرة إلى المرض
منوعات
الصفيحات الدموية تُستخدم كـ«سعاة أذكياء» لإيصال الأدوية مباشرة إلى المرض
31 كانون الثاني 2026 , 13:14 م

يعمل علماء جامعة «سيريوس» على تطوير أنظمة مبتكرة لتوصيل الأدوية داخل جسم الإنسان بدقة عالية، من خلال تحويل خلايا الدم إلى «سعاة أذكياء» قادرين على إيصال العلاج مباشرة إلى الأنسجة المصابة. ويعتمد هذا النهج على استخدام خلايا طبيعية من جسم المريض نفسه بدلًا من الجسيمات النانوية الصناعية.

لماذا الصفيحات الدموية بالتحديد؟

اختار الباحثون الصفيحات الدموية كأساس لهذه التقنية المتقدمة، نظرا لما تتمتع به من قدرات طبيعية فريدة. فالصفائح قادرة على التعرف على الأوعية الدموية المتضررة، وبؤر الالتهاب، وحتى الأورام الخبيثة، مما يجعلها وسيلة مثالية للتوجيه الدقيق داخل الجسم.

ومن خلال «تحميل» الصفيحات الدموية بالأدوية، يحولها العلماء إلى ما يشبه «حصان طروادة» البيولوجي، بحيث تنقل المادة العلاجية مباشرة إلى الخلايا المريضة، مع تقليل التأثيرات الجانبية على الأنسجة السليمة.

ميزة طبيعية مقارنة بالأنظمة الصناعية

يوضح ألكسندر موسكالينسكي، رئيس المجموعة العلمية في مركز الطب الانتقالي بجامعة «سيريوس»، أن الميزة الأساسية للصفيحات الدموية مقارنة بأنظمة التوصيل الاصطناعية تكمن في أصلها الطبيعي.

فالجهاز المناعي لا يعتبرها أجساما غريبة، مما يسمح لها بالدوران في الدم لفترة طويلة نسبيا (من 7 إلى 10 أيام)، إلى أن تعثر على موقع الإصابة أو الالتهاب أو الورم.

كما تمتلك الصفيحات عددا كبيرا من المستقبلات على سطحها، مما يمكنها من التعرف على المناطق المتضررة والالتصاق بها. ومن المعروف أيضا أن الصفيحات تلتف حول الخلايا السرطانية المنتشرة في الدم وتحميها من هجمات الجهاز المناعي. وإذا أمكن استغلال هذه الخاصية لعكس الدور، فقد يصبح بالإمكان توجيه ضربة مباشرة للخلايا السرطانية نفسها.

كيف يتم «تحميل» الصفائح الدموية بالأدوية؟

يحمل المشروع اسم «هندسة الصفيحات الدموية»، ويهدف إلى تعديل خصائص هذه الخلايا دون اللجوء إلى الهندسة الوراثية، نظرا لأن الصفيحات لا تحتوي على نواة أو حمض نووي (DNA).

ويعتمد الباحثون حاليا على طريقتين رئيسيتين:

تراكم الدواء داخل الصفيحات:

يتم استخدام مواد ذات خصائص فيزيائية وكيميائية تسمح لها بالتجمع داخل الصفيحات في مقصورات محددة. وعند تنشيط الصفيحة، يتم إطلاق هذه المواد لتؤدي دورها العلاجي.

الارتباط بالغشاء الخارجي:

في هذه الطريقة، يتم ربط الدواء بما يُعرف بـ«مرساة» خاصة، تُمكّنه من الالتصاق بالغشاء الخارجي للصفيحة والتحرك معها داخل مجرى الدم.

برمجة الصفيحات دون تحكم مباشر

لا يتم «برمجة» الصفيحات الدموية عبر أوامر خارجية معقدة، بل بالاعتماد على وظائفها البيولوجية الطبيعية. فالصفيحات بطبيعتها تبحث عن مناطق الالتهاب وتلف الأوعية وتتفاعل مع الخلايا الورمية.

ويمكن تعزيز هذه القدرات بإضافة جزيئات خاصة إلى سطح الصفيحة، بما يسمح بتنشيطها باستخدام محفزات خارجية، مثل الضوء.

لماذا الصفيحات أفضل من خلايا الدم الأخرى؟

بالمقارنة مع خلايا الدم الأخرى، تتمتع الصفيحات الدموية بعدة مزايا مهمة:

قدرة عالية على حمل الأدوية:

تحتوي الصفيحات على حبيبات داخلية مخصصة لتخزين وإفراز مواد فعالة بيولوجيا، ويمكن استغلالها لتخزين الأدوية وإطلاقها عند الحاجة.

سهولة التحميل:

تمتلك الصفيحات شبكة قنوات مفتوحة (Open Canalicular System – OCS)، ما يسهل إدخال الدواء دون تعقيد بنية الخلية.

بساطة التركيب:

هي أبسط من خلايا الدم البيضاء، وأكثر تنظيما داخليا من خلايا الدم الحمراء، ما يجعلها مثالية للتعديل الموجّه.

التحكم في إطلاق الدواء باستخدام الضوء

تعتمد تقنية التنشيط الضوئي على جزيئات حساسة للضوء، يتغير تركيبها عند امتصاص الفوتونات، فتتفاعل مع مستقبلات الصفيحات وتطلق سلسلة من العمليات الحيوية التي تؤدي إلى تحرير الدواء.

ويؤكد الباحثون أن هذه الجزيئات مصممة خصيصا ولا تستجيب للإضاءة العادية، ما يقلل من خطر التنشيط العشوائي.

بدائل الضوء: الموجات فوق الصوتية والمجالات المغناطيسية

إلى جانب الضوء، يدرس العلماء استخدام:

الموجات فوق الصوتية عالية الشدة، التي قد تؤدي إلى تنشيط الصفيحات عبر التسخين الموضعي أو التحفيز الميكانيكي.

المجالات المغناطيسية، التي تتميز بقدرتها على اختراق أنسجة الجسم، لكنها تتطلب مواد وأدوات خاصة لا تزال قيد التطوير.

مصير الصفيحات بعد توصيل الدواء

بعد إطلاق حمولتها العلاجية، يتم التخلص من الصفيحات المعدلة بالطريقة نفسها التي يتعامل بها الجسم مع الصفائح الطبيعية.

فهي لا تتراكم ولا تُعد سامة، حيث يتم امتصاصها لاحقا بواسطة خلايا مناعية في الكبد أو الطحال، ثم تفكيكها وإعادة تدوير مكوناتها بأمان.

استخدامات مستقبلية تتجاوز علاج السرطان

لا يقتصر هذا النهج على علاج الأورام فقط، بل يمكن تطبيقه مستقبلا في:

أمراض القلب والأوعية الدموية، مثل تصلب الشرايين والجلطات

الأمراض الالتهابية

تسريع التئام الأنسجة بعد العمليات الجراحية أو الإصابات

التحديات العلمية القادمة

رغم النتائج الواعدة، لا تزال هناك تحديات رئيسية، أبرزها فهم آليات تحميل الأدوية وإطلاقها بدقة، وضمان سلامة هذه الأنظمة عند استخدامها على البشر.

ويؤكد الباحثون أن الانتقال من النماذج المخبرية إلى الأدوية الفعلية يتطلب دراسات مكثفة على الخلايا والنماذج الحيوانية، إضافة إلى تطوير بروتوكولات قياسية لعزل الصفائح وتعديلها وإعادتها إلى الجسم.

كما تولي جامعة «سيريوس» اهتماما خاصا بإعداد جيل جديد من العلماء القادرين على العمل في هذه المجالات المتقدمة، حيث يشارك طلاب صغار السن في مشاريع بحثية رائدة منذ المراحل الأولى من تعليمهم.

المصدر: صحيفة كوميرسانت