نجح علماء من جامعة تومسك البوليتكنيكية، بالتعاون مع باحثين من معهد فيزياء المتانة وعلوم المواد التابع لفرع الأكاديمية الروسية للعلوم في سيبيريا، في تطوير غرسات طبية حيوية (Scaffolds) تمتلك خاصية ذاكرة الشكل، يتم تفعيلها عند درجات حرارة قريبة من حرارة جسم الإنسان، ما يفتح آفاقا جديدة في هندسة الأنسجة العظمية.
غرسات حيوية بهيكل متطور
تعتمد الغرسات الجديدة على بنية جيرويـدية (Gyroid Structure) ثلاثية الأبعاد، وهي بنية مسامية معقدة تتيح توزيعا متوازنا للإجهاد والحرارة. وتُعد هذه الخاصية أساسية في تطبيقات:
هندسة الأنسجة العظمية
الطب التجديدي
زراعة العظام بأقل تدخل جراحي
وقد نُفّذ البحث بدعم من البرنامج الفيدرالي الروسي «الأولوية 2030» ضمن المشروع الوطني «الشباب والأطفال»، ونُشرت نتائجه في مجلة Polymers المصنفة ضمن الربع الأول (Q1) وبمعامل تأثير 4.9.
لماذا تُعد هذه الغرسة واعدة طبيا؟
تُعد الهياكل البوليمرية الحيوية (Scaffolds) من المواد الواعدة في الطب التجديدي، حيث تسمح تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد بتصنيع غرسات:
متوافقة حيويا مع أنسجة الجسم
ذات أشكال معقدة تحاكي البنية الطبيعية للعظام
بخصائص ميكانيكية قريبة من الأنسجة الحية
وتُستخدم هذه الغرسات للمساعدة على:
ترميم الأنسجة المتضررة
دعمها
تحسين وظائفها الحيوية
كما يمكن توظيفها كغرسات ذاتية التمدد لتعويض العيوب العظمية الكبيرة.
كيف تعمل خاصية ذاكرة الشكل؟
تشرح المهندسة والباحثة أنستاسيا فيتيسوفا، المشاركة في الدراسة، آلية عمل الغرسة قائلة:
«وفق الفرضية المطروحة، يتم تصنيع الغرسة القابلة للتحلل الحيوي بما يتوافق مع شكل العيب العظمي. بعد ذلك تُسخَّن وتُضغط ثم تُبرَّد في وضعية مضغوطة للحصول على شكل مؤقت صغير الحجم. أثناء الجراحة، يُدخل الجراح الغرسة عبر شق صغير. وعند وصولها إلى حرارة الجسم، تستعيد الغرسة شكلها الأصلي وتتمدد لتملأ العيب بدقة».
ويؤدي ذلك إلى:
تطابق محكم مع العظم
تقليل الحاجة إلى التعديل اليدوي أثناء الجراحة
خفض درجة التدخل الجراحي والأذى للمريض
وفي التطبيقات السريرية، يمكن تسريع العملية باستخدام تسخين موضعي خفيف وآمن.
مواد متوافقة حيويا وتقنية طباعة دقيقة
استخدم علماء جامعة تومسك تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد الطبقية لإنتاج غرسات:
مصنوعة من بوليمر بولي لاكتيد قابل للتحلل الحيوي
مضاف إليه بولي إيثيلين غليكول كمادة ملدّنة
وأدى إضافة 10% وزنيا من بولي إيثيلين غليكول إلى:
خفض درجة حرارة الانتقال الزجاجي للبولي لاكتيد
لتصبح بين 36 و39 درجة مئوية، أي قريبة من حرارة الجسم
نتائج مخبرية واعدة
أظهرت التجارب المخبرية، وفق ما أوضحه الباحث عبدالله بن فيروز، أن:
الغرسات ذات البنية الجيرويـدية
والمحتوية على 10% من بولي إيثيلين غليكول
تمكنت من:
استعادة 97% من شكلها الأصلي
خلال 6 دقائق
عند درجة حرارة ماء تبلغ 40 درجة مئوية
ويعود ذلك إلى:
التركيبة المثالية للمواد
البنية المسامية الجيرويـدية التي تضمن توزيعا متجانسا للحرارة ونفاذ الماء
تفوق على الدراسات السابقة
أشار الباحثون إلى أن معظم الدراسات السابقة كانت تعتمد على درجات حرارة أعلى من 60 درجة مئوية، لأن البولي لاكتيد النقي لا يُظهر تأثير ذاكرة الشكل إلا عند هذه المستويات.
ورغم فعالية هذه الحرارة في استعادة الشكل، فإنها:
غير آمنة
وقد تُلحق أضرارا بالأنسجة الحية
ما يجعل الابتكار الجديد أكثر ملاءمة للتطبيقات الطبية الواقعية.
الخطوات البحثية القادمة
سيركّز الفريق البحثي في المرحلة المقبلة على:
دراسة الخصائص الميكانيكية للغرسات
اختبار مقاومتها للإجهاد والتعب
محاكاة الأحمال الواقعية للعظام
إجراء اختبارات ما قبل سريرية
وذلك لتحديد:
التركيبة المثلى
أفضل بنية هندسية
التوازن بين ذاكرة الشكل والمتانة والتوافق الحيوي
نحو تطبيق طبي آمن وفعّال
يختتم البروفيسور رومان سورمينيف، مدير المركز الدولي لأبحاث المواد الكهروضغطية والمغناطيسية في جامعة تومسك، بالقول:
«تضع هذه الدراسة الأساس لاستخدام آمن وفعّال للهياكل الحيوية القابلة للتحلل داخل جسم الإنسان».