كتب الأستاذ حسن عماشا:
مقالات
كتب الأستاذ حسن عماشا: "نظرية كلاوزفيترز: الحرب استمرار للسياسة بوسائل اخرى".
حسن عماشا
9 شباط 2026 , 13:24 م


لا تزالُ هذه النظرية قائمة في عالمنا الحاضر،وهي لاتعني حصراً علاقةَ الحربِ بالسياسة؛ إنّما هي (الحرب) واحدٌ من ميادين السياسة.

كما أنَّهُ للسياسة ميادينُ أُخرى اقتصاديةٌ واجتماعيةٌ وثقافية، وأنَّ وسائلَ وأدواتِ التعبيرِ عنها تختلفُ بِاختِلافِ الظروفِ الذاتيةِ والموضوعية، و هي لا تخضعُ لِاعتباراتٍ مزاجيةٍ أو إرادِية.

فأنْ تكونَ في واحدٍ من ميادينِ السياسةِ (المفاوضات مثلاً) التي تختلف،بدورها، تَبَعاً لِظروفِ مرحلةٍ مُعَيّنَةٍ من مراحلِ الصِّراع، فإمّا أنْ تكونَ مفاوضاتٍ على شروطِ الاِسْتِسلامِ والخضوعِ مِنْ طرفٍ إلى آخر. أو أن تكونَ إطاراً لِمُعاهدةٍ تتبعُ لِميزانِ القِوى، في لحظةٍ تاريخيةٍ معينة، إذا كانتِ الحربُ لا تُحَقِّقُ الغايةَ مِنها. حيثُ يسعى مِنْ خِلالِها كُلُّ طرفٍ إلى أنْ يُحققَ أفضلَ المُمْكِنِ مِنْ مصالِحِه.

فليست المفاوضات بكل الظروف هي نفسُها.

- في الحربِ العالميةِ الثانيةِ فاوضَ الحُلفاءُ ألمانيا على شروطِ الِاستِسلام. في حينٍ تفاوضتِ القِوى المنتصرةُ بالحربِ على معاهدة، أو معاهداتٍ أنتجتْ نظاماً عالمياً حقوقياً وسياسياً تُرْجِمَ بِالصيغةِ التي أُعيدَ بها تشكيلُ "عصبة الأمم" التي تحوَّلَت على أساسِها وأصبحت: "الأمم المتحدة" بهيئتيها: العامة، و"مجلسِ الأمنِ الدَّوْلِيّ" الذي تتمتعُ فيهِ الدولُ المنتصرةُ في الحربِ، بصفةِ العضويةِ الدائمة، وكلٌّ مِنها يَمْتَلِكُ حَقَّ النَّقْضِ(الفيتو) الذي يمنحُها حقَّ تعطيلِ أيِّ قرارٍ ويفقدُه الشرعيةَ الدَّوْلِيَّةَ، إذا لم يُراعِ مصالِحَها، أو يَتَناقَضُ معها .

مناسبةُ هذا الكلام: هي استغرابُ البعضِ قبولَ إيرانَ التفاوُضَ ما دامت أميريكا لا تضمنُ انتصارَها في الحرب.

وماقد يقولُهُ البعضُ الآخرُ: لماذا إذاً لا تُبادِرُ إيرانُ نفسُها بالحرب، ما دامتْ أميرِكا ومن معها لا يستطيعون أنْ يَنتصروا عليها؟ وهُنا نقول:إنَّ هذا لايُعَبِّرُ عن فهمٍ عميقٍ لِلصِّراعِ وشروطِهِ، وكذلك مقوماتُه. فالحربُ ليستْ دائماً الوسيلةَ الأنْجِعَ و الوحيدةَ فيه.

يبقى السؤالُ الأهمُّ:

هل يُمْكِنُ أنْ تُحَقِّقَ المُفاوضاتُ معاهدةً، أو تَفاهُماتٍ معينة؟.

إنَّ مواقفَ الطرفَيْنِ بعيدةٌ جِداً عن إنتاجِ حَدٍّ أدنى مِنَ التَّفاهم. فإيرانُ لَنْ تتخلى عن سيادتِها وحقوقِها، وهي صمدت، وتصمدُ في مُواجهَةِ كُلِّ التَّهديداتِ، حتّى بِوَجْهِ العُدوانِ المُباشِر.

وكذلك الولاياتُ المتحدةُ الّتي لا تريدُ التعايُشَ معَ دولةٍ بِحَجْمِ إيرانَ وقُوّتِها، وتتمتّعُ بالسيادةِ والاستقلال في جزءٍ مِنَ العالَمِ تعتَبِرُهُ إرثاً لها من الاستعمارِِ القديم،؟ وتشكل سنداً لِقِوى تحرُّرٍ عربيةٍ واسلامية وعالمية تقاتلُ لِانْتِزاعِ حَقِّها في السيادةِ والِاستِقلال.

إذاً، الطرفانِ يريدانِ كَسْبَ الوقت. الأول إيران، وهي بحاجةٍ لهذا الوقتِ لتعزيزِ قُوَّتِها وتطويرِها وتبريدِ أجوائها، في حين أنَّ الولاياتِ المتحدةَلاتملكُ كثيراً من تَرَفِ الوقتِ، ولكنَّها بعدَ فَشَلِ مُحاولاتِها وسقوطِ رِهاناتِها تُريدُ مُخرجاً لِإعادةِ ترتيبِ أوراقِ قُوَّتِها في المنطقة، وإعادةِ رسمِ أولوياتِها بأقلِّ قَدْرٍ مِنَ الخسائِر.

ولا نَشُكَُّ بِأَنَّها(أميركا) أدركتْ أنَّ رِهانَها على خضوعِ إيرانَ، أو إسقاطِ نِظامِها بِالِاعتمادِ على قِوىً داخليةٍ، سَقَطَ، وأنَّ عليها النظرَ في بدائلَ أُخرى.

وهذا الصراعُ يَبْقَى مَفتوحاً، وتختلفُ ادواتُه وأساليبُه، وهكذا كان دائماً، منذُ انتصارِ الثورةِ الإسلاميةِ في إيران، وهو جزءٌ مِنَ الصراعِ العالَميِّ، في مرحلةٍ تاريخيةٍ يُعادُ فيها تشكيلُ العالَِم، بين عالمٍ شاخَ وفقَدَ قُدرتَهُ على البقاء، وعالمٍ يعيشُ مَخاضَ ولِادةٍ جديدةٍ لا زالتْ مُتَعَسِّرة.