انسحاب أميركي… أم تفريغ مدروس لساحة حرب قادمة؟
مقالات
انسحاب أميركي… أم تفريغ مدروس لساحة حرب قادمة؟
ميرنا عجيب
13 شباط 2026 , 06:36 ص


ما يجري في المنطقة لا يشبه إعادة انتشار عسكرية عادية، بل يبدو أقرب إلى عملية تفريغ محسوبة لفراغ خطير.

فالانسحاب الأميركي من نقاط حساسة في سوريا لا يُقرأ فقط كقرار ميداني، بل كتحول يترك خلفه أرضاً رخوة، وحدوداً مفتوحة، وميزان ردع يتآكل تدريجياً في بيئة كهذه، لا تحتاج الفوضى إلى دعوة… بل فقط إلى غياب الرادع.

التاريخ القريب يثبت أن تنظيم داعش لا يولد من فراغ أيديولوجي فقط، بل من فراغ أمني وسياسي واجتماعي متزامن خاصة وأن كل مرة تراجعت فيها القوى الضابطة، تقدمت الفوضى، ومعها التنظيمات المتطرفة واليوم تعود المؤشرات ذاتها: هشاشة شرق سوريا، توتر الحدود العراقية، إنهاك القوى المحلية، وتراجع الأولوية الدولية للملف والسؤال المقلق ليس إن كان داعش سيحاول العودة بل من الذي سيستفيد من عودته كعامل فوضى منضبط الإيقاع؟

القول إن الولايات المتحدة تستخدم داعش ليس طرحاً بسيطاً أو دعائياً بقدر ما هو قراءة في نمط إدارة الصراعات خلال العقد الأخير؛ حيث لم يكن القضاء النهائي على التنظيم بقدر ما كان ضبط مستواه ومنع تمدده خارج حدود معيّنة ما يشكل وجود تهديد دائم، لكن غير حاسم، يبرر بقاء النفوذ، وإعادة التموضع، وتغيير قواعد الاشتباك متى لزم الأمر والضحية الدائمة في هذه المعادلة ليست التنظيمات ولا الجيوش بل المجتمعات التي تُترك لتعيش داخل دوامة خوف لا تنتهي.

الأخطر أن البيئات المنهكة اقتصادياً واجتماعياً، خصوصاً في الرقة ودير الزور، تتحول تدريجياً إلى أرض قابلة للاختراق فالفقر، والتهميش، وغياب الخدمات، وانعدام الأفق ليست تفاصيل إنسانية فقط، بل ثغرات أمنية صريحة حين تجتمع هذه العوامل مع فراغ عسكري وتوتر إقليمي، لا تكون عودة التنظيم حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة شبه طبيعية لمسار تُرك يتشكل دون إيقاف.

المشهد اليوم يبدو كأنه يُدفع ببطء نحو نقطة انفجار محسوبة: حدود مشتعلة، قوى متحفزة، ضربات استباقية محتملة، وتنظيمات تنتظر اللحظة المناسبة وعليه فإن لم يكن هناك تحرك جدي لسد الفراغ، فإن المنطقة لا تتجه نحو استقرار هش بل نحو فوضى مُدارة، قد يكون داعش أحد أدواتها، لا عنوانها الوحيد.