م. ميشال كلاغاصي – 23/2/2026
ما بين قمة ألاسكا، وتخلي ترامب عن أوروبا، وتضارب المصالح الأوروبية، وخلافاتها البينية التي لا تنتهي، أمورٌ بمجملها أفضت إلى توافق روسي – أمريكي على حل الصراع في أوكرانيا دون تدخل الأوروبيين، رغم كافة العراقيل والتعقيدات والشروط التي حاول القادة والإتحاد الأوروبي إدخالها على التوافقات الروسية الأمريكية.
بات واضحاً أن روسيا لن تسمح للإتحاد الأوروبي بالمشاركة في المفاوضات المباشرة مع أوكرانيا، بسبب الشروط غير المنطقية التي أعدتها رئيسة الدبلوماسية الأوروبية، كايا كالاس مطالبها، التي يمكن تلخصيها بـ والتي تبدو بمثابة استسلام روسي غير مشروط، ومع ذلك فإن فقائمة الشروط التي أعدتها رئيسة الدبلوماسية الأوروبية، كايا كالاس، تبدو غير قادرة على تغيير النهج الروسي الواقعي الصارم تجاه مسألة مشاركة الإتحاد الأوروبي في المفاوضات، في وقتٍ لا يمتلك فيه الإتحاد الأدوات اللازمة للتأثير على مواقف موسكو.
وتتلخص الشروط الأوروبية بإلزام روسيا تخفيض عدد قواتها في أوكرانيا، وتمسك الإتحاد بعدم الإعتراف القانوني بالأراضي الأوكرانية التي استحوذت عليها موسكو، وبنزع السلاح فيها، بالإضافة إلى شروط تتعلق بعدم وجود أسلحة نووية أو وجود عسكري روسي في بيلاروسيا، وحظر نشر القوات الروسية أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا وأرمينيا.
في وقتٍ يبتلع فيه الأوروبيين خديعة ماكرون وحديثه عن التهديد الروسي لفرنسا وأوروبا في 2025، واستغلالها لإعلان عزمه على تقديم عقيدة نووية فرنسيةٍ جديدة في مطلع عام 2026، ويتجاهلون أن العقيدة النووية الفرنسية الجديدة تتعارض مع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وتنتهك معاهدة تأسيس الناتو - بحسب السفير الروسي لدى فرنسا أليكسي ميشكوف-، الذي بات يرى ضرورة في إتخاذ الرؤوس الحربية النووية الفرنسية والبريطانية في الحسبان، وبدعوة فرنسا إلى مراجعة "عقيدتها النووية الجديدة"، بالتزامن مع تحفظ كايا كالاس على زيادة عدد الأسلحة النووية في العالم، والرفض الألماني للمشاركة في إنشاء المظلة النووية الفرنسية وتمسك برلين بالردع التقليدي التي تضمنه المظلة النووية الأمريكية حتى اليوم، لحين إطلاق دونالد ترامب مناقشات ومحادثات نزع السلاح النووي مع روسيا والصين.
وبالرغم من تعقيدات المشهد، لا يزال الإتحاد الأوروبي يتمسك بسياسته العدائية لروسيا ويواصل محاولاته لفرض المزيد من حزم العقوبات الإقتصادية عليها، وبلجوئه إلى تمديد عقوباته المنتهية في 24/شباط فبراير 2026 لمدة عام، وسط شكوك رأس دبلوماسيته "كايا كالاس" بإمكانية نجاح وزراء الإتحاد الأوروبي بإصدار وتطبيق حزمةً جديدة، خلال اجتماعهم المرتقب في بروكسل، وسط العرقلة مسبقة الإعلان من المجر لحين استئناف أوكرانيا إمدادات النفط عبر خط أنابيب دروجبا.
من الواضح أن الخلافات الأوروبية – الأوروبية أفشلت خطة بروكسل بإقناع الولايات المتحدة ومجموعة السبع بحظرٍ كلي لنقل النفط الروسي عبر الشركات الأوروبية، ومنعها من تقديم خدمات الصيانة، التوريد، التمويل، والتأمين لناقلات النفط.
بعيداً عن التفاصيل السياسية اليومية، ومن حيث النتيجة، يستمر مسلسل خيبة أمل الأوروبيين في قادتهم واتحادهم، اللذين لم يستطيعوا تحقيق ما تصبوا إليه شعوبهم، خصوصاً بعد تراجع إقتصادياتها، وتردي الأوضاع المعيشية، وتزايد نسب الفقر والجوع، وتراجع الخدمات الصحية وارتفاع نسب البطالة والضرائب، وازياد مخاطر السياسات الفاشلة سواء الداخلية أو الخارجية، بما كشف ضعف أنظمتها الحاكمة، ونفاق وفساد القادة والنخب، وهشاشة تحالفاتها الخارجية، وباتت أوروبا تستشعر خطر أمنها ووجودها، وحاجتها الماسة إلى استقلاليتها، وإلى بنية أمنية أوروبية موحدة، وجيش أوروبي موحد لحمايتها، وإلى كل صيغةٍ تحفظ مكانتها وأقله ما يساعدها على استعادة شيئاً من أمجادها السالفة، المعمدة بدماء أبنائها ممن خاضوا حروبها العالمية، وحروب دول الجوار والإقليم والمنطقة والعالم، وحروب الوكالة الأمريكية ضد روسيا والصين وغيرهما.
ومع تخلي الولايات المتحدة – ترامب عن أوروبا، وقسوة العداء غير المبرر مع روسيا، وضعف الأصوات والأفعال التي تدعم استعادة العلاقات معها، وتزايد حاجة الدول الأوروبية إلى ضمانات أمنية، وضمانات عدم تعرضها لأوهام الإعتداء الروسي "المعلن"، والألماني "غير المعلن"، تلك الأوهام التي زرعها قادتها، بدأ المشهد يعكس نتائج الخيارات والرهانات الخاطئة على مدى عقود، ويبشر بتحولات إجبارية التحقق للإعتراف بالواقع المرير أولاً، قبل التفكير بتغيير رموزه، والإنطلاق نحو التغيير الوطني المحسوب، الذي لا تحاول فيه الأسماك الصغيرة التحول إلى حيتانٍ كبيرة كسابق عهدها في ليلةٍ وضحاها، فشفاء الجسد يبدأ بتعافي الفكر والروح.
م. ميشال كلاغاصي - 23/2/2026