رغم الضربات المكثفة : فشل الرهان على سقوط إيران !!
مقالات
رغم الضربات المكثفة : فشل الرهان على سقوط إيران !!
مهدي مبارك عبد الله
12 آذار 2026 , 14:55 م

د. مهدي مبارك عبد الله

بدأت الحرب على إيران في فجر الثامن والعشرين من شباط عام 2026 بهجوم مشترك أمريكي-إسرائيلي استهدف كبار القادة الإيرانيين ومسؤولي الحرس الثوري وبعض المواقع الاستراتيجية في محاولة واضحة لخلخلة مركز القرار وشل قدرة النظام على الرد وتهديده بالانهيار منذ اليوم الأول لكن القيادة الإيرانية استجابت سريعًا وبتحدي لافت عبر إعادة ترتيب مؤسسات الدولة وتعيين مجلس قيادة مؤقت وتفعيل امكانات الحرس الثوري لمواجهة الضربات المكثفة وتحريك أدوات الردع المختلفة في كل الجهات والجبهات

ما حدث بعد الضربة الأولى بالفعل كشف أن بنية النظام الإيراني لم تكن هشة كما تصور البعض حيث أظهرت قدرة واضحة على امتصاص الصدمة وإعادة ترتيب هرم القيادة بسرعة وهو ما حال دون حدوث فراغ في السلطة أو انهيار في مؤسسات الدولة

على الصعيد العسكري والاقتصادي والسياسي ظلت إيران محافظة على تماسكها الداخلي وقدرتها على إدارة البلاد وصد العدوان رغم ضراوة العمليات العسكرية المستمرة منذ أكثر من أسبوعين دون أن يحقق المعتدون أهدافهم في إسقاط النظام حيث تشير تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن القيادة الإيرانية ما تزال متماسكة وأن النظام ليس معرضًا لخطر الانهيار في المدى القريب رغم كل الضربات الجوية المكثفة الأمريكية والإسرائيلية على أهداف استراتيجية ومدنية داخل إيران

في المقابل هنالك عدة مصادر استخباراتية غربية اكدت أن العديد من التقارير تقدم تحليلات متسقة تفيد بأن النظام لا يزال مسيطرًا على الرأي العام الإيراني ومفاصل الدولة ويستطيع إدارة مؤسسات العامة والتعامل مع الأزمة الحالية بفعالية عالية في وقت دخلت فيه الحرب مرحلة جديدة من التصعيد مع تزايد الهجمات على ناقلات النفط في المياه العراقية والخليج وهو ما دفع طهران للتحذير من أن استمرار المواجهة قد يرفع أسعار النفط إلى الصعود الى مستويات قياسية قد تصل إلى 200 دولار للبرميل وهو ما يعكس قدرة النظام الايراني على الصمود والتحكم بالضغوط الداخلية والخارجية وتوظيفها لصالحة

العديد من المصادر المطلعة كشفت أن المؤسسة الدينية الحاكمة في إيران لا تزال متماسكة رغم مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في أول أيام الضربات الأمريكية والإسرائيلية واستهداف العديد من قيادات الصف الاول والثاني وان اختيار مجتبى نجل خامنئي مرشدًا جديدًا للجمهورية الإسلامية بهذه السرعة والتحدي والثقة يشير إلى استقرار القيادة في إيران بينما أكد مسؤول إسرائيلي كبير أن الواقع على الأرض متغير وأي تقدير للوضع داخل إيران قد يتبدل سريعًا كما أن الضربات على مجموعة واسعة من الأهداف الإيرانية بما فيها الدفاعات الجوية والمواقع النووية وأعضاء القيادة العليا لم تؤدِ إلى تفكيك النظام او تقويضه بل بقي الحرس الثوري والقادة المؤقتون قادرين على متابعة الهجمات المؤلمة والسيطرة على البلاد

ضمن محاولة امريكية مكشوفة لممارسة الضغط الداخلي على ايران ناقشت فصائل كردية إيرانية متمركزة في العراق مع الولايات المتحدة إمكانية مهاجمة قوات الأمن الإيرانية لزيادة الضغط وفتح جبهة جانبية لكن التقارير الاستخباراتية الأمريكية أشارت إلى شكوك في قدرت هذه المليشيات شبة العسكرية على مواصلة القتال ضد أجهزة الأمن الايرانية بسبب نقص القوة النارية والعدد الكافي وعلى صعيد الهجمات البحرية تعرضت ناقلات النفط لهجمات بواسطة قوارب ايرانية سريعة محملة بالمتفجرات في الخليج ما أدى إلى حرائق وأضرار بالسفن وهو ما دفع أسعار النفط العالمية وعقود التامين للارتفاع وهو ما أجبر وكالات الطاقة على الإفراج عن احتياطيات استراتيجية من النفط لتخفيف الحاجة والصدمة

يضاف الى كل ذلك تكاليف الحرب الضخمة على الولايات المتحدة حيث بلغت كلفت الأيام الستة الأولى نحو 11 مليار دولار وقد يتطلب استمرار العمليات الى تمويل إضافي يصل إلى 50 مليار دولار وبينما أكد الرئيس الأمريكي ترامب أن العمليات العسكرية تحقق نتائج سريعة وأن معظم الأهداف العسكرية قد تم تدميرها وهو ما يقابله على الارض صمود إيران واستمرار ردودها على الضربات حيث أطلقت صواريخ باليستية وطائرات مسيرة استهدفت مواقع داخل إسرائيل والعديد من القواعد العسكرية الأمريكية ما يظهر بوضوح أن الضربة الافتتاحية لم تفرض الانهيار على النظام بل رفعت تكلفة المواجهة على الخصوم الى حد يصعب قبوله او الاستمرار به

اللافت في هذه الحرب ان يران لم تكتفِ بالدفاع عن نفسها بل حولت الضربات المكثفة إلى فرصة لتعزيز منظومة الردع الاستراتيجية حيث عمدت إلى استخدام الصواريخ الباليستية الثقيلة والطائرات المسيرة المتنوعة لضرب الأهداف الحيوية للعدو مع مراعاة قواعد عدم الانزلاق إلى حرب شاملة تتجاوز حدودها وهذا النهج يوضح أن القيادة الإيرانية لا زالت قادرة على تحويل أي هجوم إلى حساب تكاليف مرتفعة للخصم مع إبقاء المبادرة بيدها كما يشير هذا التماسك اكثر إلى أن النظام الايراني لم يعد يعتمد على عنصر الصدفة بل على استراتيجية محكمة لإدارة الصراع على مستويات متعددة تشمل العسكرية والسياسية والاقتصادية

اما من ناحية القدرة الإيرانية على التحكم بمسار المواجهة فهي لم تقتصر على الردع العسكري فقط بل امتدت لتشمل التحكم بأسواق الطاقة والملاحة البحرية حيث أثبتت الهجمات على ناقلات النفط ومضيق هرمز أن إيران تمتلك أدوات ضغط اقتصادية فعالة قادرة على التأثير في أسعار النفط العالمية وفرض شروطها على الخصوم دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة وشاملة وهذا التوازن الدقيق بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية والسياسية يجعل من النظام الإيراني في قوة مستمرة وصامدة بمواجهة كل التحديات ويؤكد أن أي محاولة اجباره على الاستسلام عبر الضربات المكثفة لن تنجح وأن مستقبل المعركة يظل لصالحها

العمليات العسكرية المتصاعدة ضد إيران وردودها عليها تبقى مسار المواجهة مفتوحًا على عدة احتمالات في ظل صعوبة التحقق الدقيق من التطورات الميدانية داخلها ويمكن إجمال السيناريوهات المحتملة في أربعة مسارات رئيسة يتمثل الأول في استمرار حرب الاستنزاف المتبادل ضمن سقف مرتفع لكنه مضبوط مع تذبذب مستوى الاعتداءات على دول الخليج وبقاء مضيق هرمز في حالة تعطيل فعلي دون إعلان إغلاقه رسميًا وهو خيار يتيح لإيران استخدام المضيق كأداة ضغط مع تجنب تكلفة إغلاقه الكامل

السيناريو الثاني فيتمثل في احتمال اتساع الحرب إقليميًا إذا تحولت الاعتداءات على البنية التحتية للطاقة والمياه والموانئ في الخليج إلى نمط منهجي أو إذا انخرطت دول الخليج مباشرة في عمليات مضادة لايران وهذا مسار مستبعد حاليًا أما السيناريو الثالث فيتمثل في امكانية الوصول الى تهدئة هشة أو وقف إطلاق نار من دون تسوية سياسية مستقرة تفرضها التكلفة الاقتصادية للحرب مثل ارتفاع أسعار النفط وتعطل الشحن أكثر مما يفرضها اتفاق سياسي حقيقي

أما السيناريو الرابع فيرتبط بتزايد الضغوط على مركز القرار في إيران بحيث تتسع التباينات بين النخب السياسية والعسكرية بشأن سبل التعامل مع الأزمة وفي المحصلة ستتحدد مآلات الصراع وفق قدرة هذه الأطراف على ضبط التصعيد وحجم التكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للحرب على كل منها وفاعلية الوساطات الدبلوماسية لوقفها

إلى جانب ذلك تكشف هذه الحرب عن بعد يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة فالصراع الدائر اليوم ليس مجرد معركة بين دولتين أو تحالفين بل هو أيضاً صراع على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط والولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى إعادة رسم موازين القوة في المنطقة ومنع إيران من ترسيخ موقعها كقوة إقليمية مؤثرة بينما تنظر طهران إلى هذه الحرب باعتبارها معركة دفاع عن سيادتها وعن دورها الإقليمي وهو ما يفسر استعدادها لخوض مواجهة طويلة الأمد إذا اقتضت الظروف

الظاهر للمراقبين انه رغم كل الضربات المكثفة والتقديرات الامريكية والاسرائيلية التي راهنت على انهيار النظام تبين أن إيران لم تنهار والنظام بقي متماسكًا وقدرته على إدارة الأزمة والسيطرة على مؤسسات الدولة جعلته أكثر قوة واستعدادًا لاستمرار المعركة والسيطرة على مجريات الصراع وبفعل صمود القيادة السياسية وقوات الجيش والحرس الثوري وتماسك الشعب فإن نهايات الحسم في هذه المواجهة ستكون لصالح إيران مما سيعزز موقعها الإقليمي ويقوي عضدها ويثبت قدرتها على فرض إرادتها وتحقيق التوازن الاستراتيجي الذي يضمن عدم محاولة إخضاعها مستقبلا لأي ضغوط خارجية ويجعل الرهان على سقوطها فاشلاً بشكل واضح وجلي لتظل إيران محافظة على تماسكها الداخلي وقدرتها على إدارة البلاد وصد العدوان

بناء هذه المعطيات يبدو أن الرهان على انهيار سريع للنظام الإيراني كان تقديراً سياسياً متسرعاً أكثر منه قراءة واقعية لطبيعة الدولة الإيرانية وبنيتها وان إيران التي تعرضت لضربات مكثفة لم تفقد تماسكها الداخلي بل أظهرت قدرة على إعادة تنظيم صفوفها وإدارة المواجهة بطريقة تجعل الحرب أكثر تعقيداً على خصومها

المحصلة : انه مع استمرار المواجهة واتساع آثارها الإقليمية والدولية تتزايد المؤشرات على أن هذه الحرب لن تنتهي بانهيار إيران أو سقوط نظامها السياسي كما توقع البعض في بدايتها بل إن ما يحدث على الأرض يشير إلى نتيجة معاكسة تماماً حيث تمكنت إيران من الحفاظ على تماسك مؤسساتها وعلى قدرتها في إدارة البلاد وقيادة المعركة في الوقت نفسه وإذا استمرت هذه المعادلة فإن نهاية هذه الحرب قد تتحول إلى محطة تعزز موقع إيران أكثر في معادلات القوة الإقليمية إذ إن الدول التي تنجح في الصمود تحت الضربات المكثفة غالباً ما تخرج من تلك اللحظات أكثر قوة وتماسكاً وهو ما قد يجعل هذه الحرب في النهاية نقطة تحول تعزز مكانة إيران وتزيد من حضورها وتأثيرها في توازنات الشرق الأوسط ويثبت قدرتها على فرض إرادتها وتحقيق التوازن الاستراتيجي الذي يضمن عدم إخضاعها للضغوط الخارجية ويجعل الرهان على سقوطها فاشلاً بشكل واضح وجلي

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]