✍️عبدالله علي هاشم الذارحي
في الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات الدولية لوقف الحرب في المنطقة، تكشف تسريبات صحيفة نيويورك تايمز عن جانب خطير من التفكير السياسي لدى القيادة السعوديّة، وعلى رأسها بن سلمان، الذي لا يزال يراهن على خيار الحرب لا السلام، وعلى التصعيد لا التهدئة.
هذه المعطيات لا يمكن فصلها عن الواقع اليمني، ولا عن حالة المماطلة المُستمرّة التي تنتهجها السعوديّة في ملف السلام مع اليمن، رغم كُـلّ المبادرات والفرص التي منحتها لها صنعاء خلال السنوات الماضية.
رهان على الحرب.. وهروب من السلام
ما نقلته الصحيفة من أن ترامب أبدى في بعض الأحيان انفتاحا على إنهاء الحرب، يقابله ضغط سعوديّ للاستمرار فيها، يكشف بوضوح أن قرار الحرب لم يكن يومًا اضطرارًا، بل خيارًا استراتيجيًّا لدى الرياض.
وحين يدفع بن سلمان باتّجاه توسيع الصراع مع إيران، بل ويقترح تدخلًا عسكريًّا مباشرًا، فإن ذلك يعكس ذهنية قائمة على إعادة تشكيل المنطقة بالقوة، لا بالحوار، وبا لهيمنة لا بالتفاهم.
وهنا يظهر التناقض الصارخ: كيف يمكن لنظام يسعى لإشعال حرب إقليمية واسعة أن يكون جادًا في السلام مع اليمن؟!
اليمن.. الضحية المُستمرّة للمماطلة
منذ بداية العدوان على اليمن في 2015، بقيادة السعوديّة، وبعد مرور عقدٌ من الصمود اليمني، صار لدينا قناعة أنها تنشد السلام كلامًا، لكن في الواقع كانت وما زالت تمارس سياسة كسب الوقت، وفرض الشروط، والالتفاف على أي اتّفاق حقيقي ينتج عنه سلام عادل.
بل كلما اقتربت صنعاء إلى التهدئة، عادت الرياض لتصعيد سياسي أَو عسكري، أَو لربط المِلف اليمني بحسابات إقليمية أوسع، كما يتضح اليوم في ربطها بالصراع مع إيران.
إن المماطلة السعوديّة ليست ناتجة عن ضعف في القدرة على اتِّخاذ القرار، بل عن غياب الإرادَة الحقيقية للسلام؛ لأن السلام بالنسبة لها يعني الاعتراف بفشل الحرب، والتخلي عن مشروع الهيمنة.
وهم إعادة تشكيل المنطقة
الحديث عن فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المنطقة يكشف حجم الوهم الذي تعيشه بعض القيادات، فالتاريخ أثبت أن من يشعل الحروب لا يملك التحكم في نهاياتها.
إن المخاوف التي نقلتها الصحيفة نفسها، من احتمال تعرض المنشآت النفطية السعوديّة لهجمات قاسية، تؤكّـد أن خيار التصعيد سيرتد على أصحابه قبل غيرهم.
وهنا يتبادر السؤال:
إذا كانت الرياض تخشى تبعاتِ الحرب على منشآتها الحيوية، فلماذا تواصل إشعالها؟!
وإذا كانت تدرك خطورة المواجهة مع إيران، فلماذا تعرقل السلام في اليمن؟!
لقد أكّـد الشهيد القائد أن "العدوان لا يمكن أن يصنع أمنًا، ولا أن يحقّق استقرارا، بل يفتح أبوابا لا يمكن إغلاقها".
وهي حقيقة تتجسد اليوم في مشهد المنطقة المضطرب.
اما سيد القول والفعل فيؤكّـد على أن "السلام الحقيقي لا يُبنى على الهيمنة ولا على الإملاءات، بل على العدل والاحترام المتبادل" وهو ما تفتقده السياسات السعوديّة حتى الآن.
خلاصة الكلام نقول للرياض السلام قرار.
خَاصَّة وأن ما تكشفه هذه التسريبات تثبت أن السعوديّة لا تزال تتعامل مع مِلف السلام في اليمن كأدَاة تكتيكية، لا كخيار استراتيجي.
فلتدرك أن استمرار العدوان والحصار أصبح عبئًا عليها قبل غيرها، وأن اليمن لم يعد ساحة سهلةً للفرض والإملاء، بالتالي فإن المماطلة ستقودها إلى مزيد من الخسائر، لا إلى أن تتحقّق لها المكاسب.
فالسلام الذي يعنينا ليس ضَعفًا بل شجاعة قرار، والمتهرب منه اليوم سيدفع ثمنَه غدًا.