الحرب تنتهي… أما جريمة الاستثمار بدم اللبنانيين فتبقى ؟!
مقالات
الحرب تنتهي… أما جريمة الاستثمار بدم اللبنانيين فتبقى ؟!
عباس المعلم
15 حزيران 2026 , 10:25 ص

لا أحد يعلم حتى الآن كيف ستنتهي هذه الحرب على لبنان. فالأمر ليس بهذه البساطة التي يحاول البعض تصويرها، ولا هو مرتبط حصراً بإعلان وقفٍ لإطلاق النار، أياً تكن صيغته؛ ثابتة كانت أم متدرجة، ومهما أُحيط بضمانات أو تعهدات دولية أكثر جدية.

صحيح أن الناس تتوق إلى توقف هذه الحرب، لكن الدافع الأعمق ليس مجرد البحث عن هدنة أو استراحة من القتل والدمار، بل التمسك بحقهم الطبيعي في أرضهم وبيوتهم وقراهم، سواء كانت لا تزال قائمة أو تحولت إلى ركام، وسواء جُرِّفت حقولها أو هُدِّمت أحياؤها. فالقضية بالنسبة إلى غالبية المتضررين لم تعد مسألة حسابات سياسية أو سجالات حول المكاسب والخسائر، بل أصبحت قضية وجود وانتماء وجذور وهوية.

ولذلك، فإن المزاج العام لدى الناس لا ينشغل اليوم بإجراء جردة حساب للحرب ونتائجها بقدر ما ينشغل باستيعاب حقيقة أنهم واجهوا حرباً ذات أبعاد وجودية غير مسبوقة، حتى وإن اختلفت قراءاتهم لطبيعة هذا التهديد وعمقه وأهدافه النهائية.

وفي المحصلة، وبغض النظر عن الشكل أو المسمى أو الإطار الذي ستتوقف عنده هذه الجولة من الصراع، سيأتي لاحقاً وقت التقييم والمراجعة واستخلاص الدروس. غير أن الأخطر من أسباب الحرب ونتائجها العسكرية والسياسية، وهي في معظمها معروفة ولا تحتاج إلى كثير من الشرح، هو ما خلّفته هذه الحرب في الداخل اللبناني من تشققات عميقة وخطيرة.

فالحرب لم تُنتج مجرد انقسام سياسي حاد، بل أفرزت مستويات غير مسبوقة من التحريض والكراهية والنبذ المتبادل، ودفعت شرائح واسعة إلى مقاربة شركائها في الوطن بمنطق الإلغاء لا الاختلاف، وبمنطق العداء الوجودي لا التنافس السياسي. والأسوأ من ذلك أن بعض الخطابات تجاوزت حدود تبرير القتل والتهجير والتدمير والاحتلال، لتلامس مستويات مقلقة من الإقصاء الثقافي والاجتماعي والرمزي، وصولاً إلى استهداف الهوية والذاكرة والمعتقد والانتماء.

الخطر الحقيقي الذي أنتجته هذه الحرب لا يكمن فقط في حجم الدمار أو الخسائر البشرية، بل في نشوء شريحة سياسية وإعلامية وحزبية داخل لبنان تعاملت مع العدوان والاحتلال بوصفهما فرصة لتحقيق مكاسب داخلية لم تستطع انتزاعها عبر السياسة أو الانتخابات أو التوازنات الوطنية.

هذه الفئة لم تكتفِ بمعارضة خصومها السياسيين، بل انتقلت إلى موقع أكثر خطورة تمثل في تبرير استهداف بيئة لبنانية كاملة، والتساهل مع قتل أبنائها وتهجيرهم وتدمير مدنهم وقراهم، وصولاً إلى منح الاحتلال غطاءً سياسياً وأخلاقياً للاستمرار بعدوانه تحت عناوين مختلفة. وهنا تكمن الكارثة الفعلية، لأن الانقسام لم يعد حول برنامج سياسي أو خيار اقتصادي أو رؤية للدولة، بل حول حق فئة من اللبنانيين في البقاء على أرضهم والدفاع عن أنفسهم في مواجهة الاحتلال والعدوان.

والأخطر أن جزءاً من السلطة اللبنانية لم يتصرف خلال هذه الحرب بوصفه سلطة مسؤولة عن حماية جميع مواطنيها، بل ظهر في كثير من المحطات كطرف مستثمر في نتائج العدوان، يراهن على ما تفرضه القوة العسكرية الإسرائيلية لتحقيق أهداف داخلية عجز عن تحقيقها بأدوات الدولة والدستور والسياسة. فبدلاً من أن تشكل الدولة مظلة جامعة للبنانيين تحت النار، تحولت لدى كثيرين إلى سلطة تتعامل بانتقائية مع الدم والدمار والاحتلال، وإلى منصة سياسية لتبرير الوقائع التي يفرضها العدو بالقوة.

هذا السلوك لا ينتهي بانتهاء الحرب، بل يفتح الباب أمام أزمة داخلية شديدة الخطورة. فحين تشعر فئة واسعة بأنها تُركت وحدها تحت القصف والقتل والتهجير، وأن الدولة لم تكتفِ بالتخلي عنها بل وفّرت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، غطاءً سياسياً لاستمرار استهدافها، فإن ذلك يضرب أسس الثقة الوطنية من جذورها ويؤسس لمرحلة طويلة من الاحتقان والانقسام يصعب احتواؤها بالشعارات أو التسويات الظرفية.

لذلك فإن ما بعد الحرب قد يكون أكثر حساسية من الحرب نفسها. فالمشكلة لن تكون في إعادة إعمار الحجر فقط، بل في معالجة نتائج محاولة استثمار الدم اللبناني في الصراع الداخلي. أما الاستمرار في الرهان على العدوان الخارجي لإعادة رسم التوازنات الداخلية، فهو مسار لن ينتج استقراراً ولا دولة، بل سيقود إلى مزيد من التصدع الوطني، لأن أي سلطة تراهن على قوة الاحتلال ضد جزء من شعبها إنما تفقد تدريجياً شرعيتها الأخلاقية والوطنية قبل أن تفقد قدرتها على الحكم.

وإذا كانت الحروب تنتهي عادة باتفاق أو تفاهم أو وقف لإطلاق النار، فإن تداعيات هذا النوع من السلوك السياسي لا تنتهي بسهولة. فالفئة التي تعرضت للقتل والتدمير والتهجير قد تصبر على جراحها وخسائرها، لكنها لن تنسى بسهولة من وقف متفرجاً على مأساتها، ولن تغفر لمن حاول تحويل دمائها إلى رصيد سياسي أو وسيلة لتحسين شروطه في السلطة. ومن هنا فإن الخطر الذي يتهدد لبنان مستقبلاً لا يكمن فقط في العدوان الإسرائيلي المتواصل، بل في إصرار بعض القوى والجهات الرسمية على بناء مشروعها السياسي فوق أنقاض قرى مدمرة ومدن منكوبة وبيئات دفعت أثمان الحرب من أرواح أبنائها وأرزاقها ومستقبل أجيالها.

هذه المقاربة ليست وصفة لبناء دولة، بل وصفة لإنتاج انقسام تاريخي طويل الأمد. لأن الدول تُبنى بالشراكة بين مواطنيها، لا بالاستقواء بالخارج على جزء منهم، والأوطان تُحمى بالعدالة والمساواة في الحقوق والواجبات، لا بتوزيع الوطنية وفق الهوية السياسية أو الطائفية. أما أخطر ما يمكن أن يصل إليه لبنان بعد هذه الحرب، فهو أن يقتنع فريق داخل السلطة بأن ما عجز عن تحقيقه بالتوافق الوطني يمكن تحقيقه بالدبابة الإسرائيلية والضغط الخارجي. عندها لن تكون الأزمة مجرد خلاف سياسي عابر، بل انتقالاً إلى مرحلة تهدد أسس الاستقرار الوطني ووحدة المجتمع لعقود طويلة مقبلة.

عباس المعلم - كاتب سياسي