مقالات
"الغضب الملحمي" في دوامة "الإرتباك الملحمي"
م. ميشيل كلاغاصي
30 آذار 2026 , 18:44 م

م. ميشال كلاغاصي // 30/3/2026

يعتقد دونالد ترامب أنه استطاع إقناع العالم وإيران بتقديمه مبادرة حسن نية تاريخية، من خلال المهل وتغيير مددها وتمديدها، وبوقف الهجمات خلالها على مصادر الطاقة والبني التحتية في إيران، وبإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب في الشرق الأوسط، دون فرض أية شروطٍ إضافية على طهران، في حين يدرك العالم أنه يمهل نفسه ونتنياهو للخروج من المستنقع الذي أسقطا نفسيهما فيه، ولا زال يحافظ على وتيرة شن الضربات وتوسيعها وبقوله: "استهدفنا 13 ألف موقع في إيران ولا يزال هناك نحو 3 آلاف هدف إضافي"، وينسف بنفسه إدعاءاته الكاذبة حول المفاوضات "الجيدة والمثمرة"، التي تأكدت حقيقتها بأنها مجرد "تبادل للرسائل" والشروط.

ومع ذلك، يستمر ترامب بإعلان الأنباء الخيالية التي تسر خاطره، والإنتصارات التي لا يراها سواه، ويضيف بشكلٍ يومي أهدافاً جديدة، ويتراجع عن غيرها، وينسى حديثه عن المفاوضات المباشرة، ويقر بمحادثاتٍ غير مباشرة بوساطة باكستانية، ويجاهر بنواياه وأفعاله المشينة " قد نستولي على النفط الإيراني وعلى مركز تصديره في جزيرة خرج"، ويتباهى بسماح إيران مرور20 من ناقلاته تحت العلم الباكستاني دون أن يشعر بالإذلال !، ويؤكد مجدداً إمكانية التوصل لإتفاق وقف إطلاق النار، وبأن الإيرانيون "وافقوا على معظم النقاط الـ15 التي قدمناها لهم"، و"سأدمر جميع محطات توليد الكهرباء واّبار النفط وجزيرة خرج إذا لم يتم التوصل لإتفاق".

في الوقت الذي نجحت فيه طهران بجرّ واشنطن إلى حافة الهاوية من خلال حصار مضيق هرمز، وكشفت عجز ترامب عن إيجاد المخرج، ومع الإرتفاع الجنوني لأسعار الطاقة، كان على مهرج البيت الأبيض التحرك بسرعة وحسم المعركة، لكن هزائمه تبدو أكبر من طاقة احتماله، وسط ملايين الأمريكيين، والتظاهرات الحاشدة تحت شعار "لا للملوك".

لكن، الحقيقة التي لم يعترف بها، أنه بالغ بقدراته وقلل من شأن القدرات الإيرانية، ووجد نفسه مضطراً تحت ضغوطها إلى استنزاف موارده بشكل كبير، ولإبعاد جنوده وطائرات البحرية الأمريكية عن منطقة الضربات الصاروخية الإيرانية، وتأكد له أن السيطرة على مضيق هرمز مغامرة محفوفة بالمخاطر، أو مهمةً شبه مستحيلة.

كذلك باءت محاولاته لإقحام الدول الإقليمية وحلفاء الناتو في الحرب بالفشل، بالتوازي مع رفض الأكراد الإنخراط في مواجهة برية يائسة.

ومع نهاية الأسبوع الرابع، لم يتبق أمام البيت الأبيض سوى خيارين، أولهما عبر شنّ عملية برية أمريكية منفردة، والاستيلاء على جزيرة خرج، أو على كامل الجزء الإيراني من مضيق هرمز، وفكّ الحصار البحري بالقوة، وتفادي الخسائر الفادحة، والإنجرار إلى حربٍ لا نهاية لها" يخشاها الجمهوريون، وتدعي الإدارة الأمريكية أنها بصدد دراسة هذا الخيار، وأما الخيار الثاني، عبر محاولة التأثير على طهران عن بُعد، بالتهديد بإلحاق أضرار جسيمة، وهذا ما فعله ترامب اليوم عبر تهديدات غير مسبوقة، وعلى الأرجح سينتهي هذا الخيار بالفشل، لكنه يعول على تجنيب الولايات المتحدة عواقب وخيمة.

ومع ذلك، تلّقى تهديداً إيرانياً مضاداً، بتدمير البنية التحتية للطاقة في الخليج العربي بالكامل، وبأنه لا مهرب من اعترافه بالعجز عن إيقاف طهران، الأمر الذي يُدخل عملية "الغضب الملحمي" في دوامة "الإرتباك الملحمي".

إن الاعتراف الأمريكي بالهزيمة أو الإنسحاب من الحرب يعني القبول بالشروط الإيرانية، والتخلي عن هدف السيطرة على مضيق هرمز، الأمر الذي يجبر الأنظمة الخليجية وتجارتها النفطية على الخضوع للرسوم الإيرانية، وهذا من شأنه تعريض النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط للإنهيار، وعليه، يجد ترامب وإدارته بصدد مضاعفة جهود المراوغة والهروب إلى الأمام، وربما إلى محاولة الإنسحاب بشكلٍ أحادي وبمعزل عن "إسرائيل"، لحساباتٍ داخلية، وقد يكون عنوان الساعات والأيام القادمة هو التشويش وتشتيت الإنتباه بمسرحيات يجيدها ترامب كالرقص على شرفات البيت الأبيض، وإطلاق التصريحات الخلبية والدعابات السمجة والتخاريف.

وقد تتجاوب إيران، وتبدي استعدادها لمساعدته على حفظ ماء وجهه، وتختصر شروطها القاسية بفرض وقف إطلاق النار في إيران ولبنان، والتمسك بالتعويضات وضمانات عدم الاعتداء المستقبلي، وهذا يبدو منطقياً للغاية مع مراعاة حاجة كلٍ من إيران ولبنان لإنهاء الحرب، وحصول إيران على الوقت لبلسمة جراحها وترميم قدراتها، واستعادة الأمن والسلام لشعبها.

ومن المرجح أن يتولى ترامب المهمة الأسهل بإقناع نتنياهو بإستغلال الاتفاق الأمريكي - الإيراني، كفرصةً أخيرة لإنهاء الصراع الإسرائيلي مع إيران، قبيل إنزلاق ترامب في أتون العزل وخسارة الإنتخابات النصفية، فيما تبدو مهمته الأصعب هي إقناع الدول الخليجية بعدم تخليه عنها مقابل تحقيق مصالح بلاده والكيان الإسرائيلي، وتذرعه بالعلاقات الخليجية – الإيرانية المتشعبة والمعقدة باّنٍ واحد.

حتى لو تحققت هذه السيناريوهات، يجب عدم إغفال الأهمية الكبرى التي تحظى بها منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة، بدليل استمرارها بنقل حوالي 50 ألف من قواتها وجلبها من شتى أصقاع العالم إلى المنطقة، وكأنها تستعد لدعم هجومٍ مستقبلي جديد علي يد "إسرائيل" وتحالف دول المنطقة، بما يسمح لترامب إعلان إنتصاره على الجميع أمام الأمريكيين وتحديداً الغاضبين من إنجراره للحرب وفق الرغبات الإسرائيلية، وبأنه فعل ما بوسعه لإنهاء "الخطر الإيراني" وبأن سيدع حلفاؤه يتولون ما تبقى من المهمة العسكرية، قبل أن يتطور الصراع إلى انخراط أطراف دولية واسعة، والإكتفاء بتقديم الدعم الأمريكي السياسي لإعادة تعويم "المشاريع المتعثرة" كصفقة القرن ومشروع الشرق الأوسط الكبير، وتعميم الأبراهيمية، والدفع نحو المزيد من التطبيع والإستسلام.

م. ميشال كلاغاصي //30/3/2026