حلم الخليج العربي فى المقبرة الى جانب الحلم العربي… ومصير رأس المال العالمي في ممالك الخليج
مقالات
حلم الخليج العربي فى المقبرة الى جانب الحلم العربي… ومصير رأس المال العالمي في ممالك الخليج
علي وطفي
30 آذار 2026 , 18:54 م


لن يعود الوضع إلى ما كان عليه ما قبل 28 شباط

2026 اليوم الذي ردت إيران على العدوان الأمريكي الإسرائيلي بشن غارات صاروخية على قواعد عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط ومنها قواعد في قطر والكويت والإمارات والبحرين باسم "الوعد الحقيقي 4".

خلال العملية الانتقامية الرد ، استخدمت إيران صواريخ باليستية وطائرات مسيرة واستمرت هذه الغارات من شهر آذار وحتى اليوم ومستمرة ومن بين 13 قاعدة أمريكية تقع بالقرب من الحدود الإيرانية وأصبحت غالبيتها غير صالحة للاستخدام ، استهدفت الغارات الإيرانية منشآت إنتاج النفط والغاز والبنية التحتية لنقل المواد الهيدروكربونية ومصافي تكرير النفط، ومصانع البتروكيماويات، ومحطات الغاز الطبيعي المسال، منها أكبر محطة للغاز الطبيعي المسال في العالم وتقع في منطقة “رأس لفان” في قطر الإمارة الصغيرة ، التي تساهم في إنتاج 20% من إنتاج الغاز الطبيعي المسال العالمي.

في تصريح لـ فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية في 23 آذار، اشتري الى " ما لا يقل عن 40 منشأة طاقة حيوية قد تضررت بشكل خطير أو بالغ الخطورة "و تقدر شركة "ريستاد إنرجي" الاستشارية أن إعادة بناء البنية التحتية للطاقة في دول الخليج العربي تتطلب استثمارات لا تقل عن 25 مليار دولار حتى نهاية آذار ومع استمرار الحرب هذا الرقم ليس النهائي و تستغرق إعادة إمدادات النفط من الخليج العربي ستة أشهر على الأقل ويعتقد بعض الخبراء أن إعادة بناء أنظمة الطاقة في ممالك الخليج سيستغرق سنوات ، تشير تقديرات بلومبرغ إلى أن إعادة بناء نظام الطاقة في الخليج العربي بعد انتهاء النزاع قد تستغرق ما يصل إلى خمس سنوات ، واضح ان الإيرانيين لا يغفروا مع مرور الوقت ، فهل هي أيضا فاتورة دعم انظمة الخليج العراق في حربه على إيران لمدة ثمان سنوات ضمن جردة الحساب..؟؟ .

ثم أن ممالك الخليج العربي ليست مجرد "مضخات نفط وغاز" تزود الاقتصاد العالمي للموارد الهيدروكربونية ، إنما تحولت إلى مراكز مالية ذات أهمية عالمية منذ نحو نصف قرن ، هذا التحول بدأ في عام 1973، عندما سافر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، هنري كيسنجر، إلى المملكة العربية السعودية وأجرى محادثات مع الملك السعودي فيصل وكان الموضوع الرئيسي المطروح هو اقتراح واشنطن للرياض ببيع نفطها حصريا بالدولار الأمريكي، وإيداع عائدات النفط (البترودولار) في بنوك أمريكية أو استثمارها في الاقتصاد الأمريكي، كما وعد كيسنجر بضم المملكة العربية السعودية إلى قائمة حلفاء أمريكا وجرت مفاوضات مماثلة مع قادة الدول الأعضاء الأخرى في منظمة أوبك ، بمن فيهم ملوك دول الخليج العربي ووافق الملوك وبدأ التعاون ، بينما كانت ممالك الخليج العربي تعد من أهم مُصدري النفط في السوق العالمية قبل هذه المفاوضات، فقد أصبحت الآن تصدر رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة.

هذه الأنظمة تلقت باستمرار تدفقات ضخمة من عائدات النفط ، ما ضمن مستوى معيشة مرتفع لمواطنيها ومن جهة أخرى استقرار أمني قدمته واشنطن و حصول الأنظمة الملكية (وخاصة السعودية) على أسلحة أمريكية ، ومنح واشنطن او فرض واشنطن إنشاء قواعد عسكرية على أراضي هذه الأنظمة من أموالهم ، إلى أن أصبح هذا المزيج الفريد من الرخاء المادي والأمن عامل جذب للأثرياء من مختلف أنحاء العالم، حاملين معهم ثرواتهم بدأت حالة هذه الممالك تقارن بسويسرا، التي تمكنت من النأي بنفسها عن العواصف السياسية والحروب بل أصبحت أكثر جاذبية للعديد من الأثرياء من سويسرا. وكان قد أطلق رئيس وزراء دولة الإمارات العربية المتحدة محمد بن راشد مشروع تحويل دبي معتمدا على الشركات البريطانية وخبراتنا وحمايتها إلى جنة للمستثمرين من جميع أنحاء العالم على الأرض ، وتحولت دبي بالفعل وتحاول بقية لانظمة ايضا الى ما يشبه دبي كملاذ ضريبي لأنظمة التسجيل والترخيص والضرائب التفضيلية الخاصة بها للشركات غير المقيمة في المناطق الاقتصادية الخاصة ، وكذلك لمواطني الدول الأخرى وهكذا تدفقت الأموال إلى دول الخليج العربي ليس فقط من صادرات الطاقة ، بل أيضاً لأنها أصبحت مراكز مالية أو مجازيا (تبييض ) و ملاذات آمنة لرؤوس الأموال. في المملكة العربية السعودية ، تبلغ تدفقات الاستثمار السنوية ما يقارب 25-30 مليار دولار أمريكي وفي الإمارات العربية المتحدة، يبقى هذا الرقم عند 20-30 مليار دولار أمريكي وتتزايد حصة المستثمرين من الصين والهند ، بالإضافة إلى وجود مستثمرين بارزين من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية و رؤوس الأموال المتدفقة هذه تستثمر في إنتاج ونقل الهيدروكربونات وقطاع الفنادق، وبناء المساكن والصناعات الجديدة (المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة) ، فعلى سبيل المثال يستثمر الصينيون في السعودية في الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية وتشارك شركات من الولايات المتحدة وأوروبا في مشاريع السياحة والترفيه في المملكة ، مثل سلاسل الفنادق والمشاريع الثقافية ومع ذلك، فإن هذه الكيانات صغيرة المساحة (باستثناء المملكة العربية السعودية) وعدد سكانها كما أن اقتصاداتها المحلية ليست ضخمة ، لذلك يمر جزء كبير من رؤوس الأموال الأجنبية عبر دول الخليج العربي ومن هناك، تحت حماية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة أو غيرها يتم تحويل هذه الأموال إلى دول أخرى في العالم.

كما تحتل استثمارات هذه الانظمة عبر الصناديق السيادية مكانة بارزة ، ففي شهر شباط 2026، بلغت أصول الصناديق السيادية للدول الخمس الكبرى في قطاع النفط - وهي: صندوق الاستثمارات العامة، وجهاز قطر للاستثمار، وجهاز أبوظبي للاستثمار، مبادلة وصندوق أبوظبي للادخار 3.5 تريليون دولار أمريكي وهذا يمثل ما يقارب ربع إجمالي أصول جميع الصناديق السيادية في العالم خمسة عشر تريليون دولار أمريكي و تقوم السلطات النقدية والشركات الخاصة بشراء سندات الخزانة الأمريكية من الدول الغربية الرائدة ، ولا سيما الولايات المتحدة وفي مطلع هذا العام، بلغ إجمالي استثمارات المملكة العربية السعودية في سندات الخزانة الأمريكية 148.8 مليار دولار أمريكي.يودع جزء كبير من رأس المال المنفَق في بنوك غربية، ويُستثمر في أسهم شركات معروفة ، مثل (مجموعة لوسيد وأوبر تكنولوجيز ونادي نيوكاسل) يونايتد لكرة القدم و منتصف عام 2023 بلغ إجمالي الأصول الأجنبية للدول الملكية على النحو التالي (بالتريليونات من الدولارات) الإمارات العربية المتحدة 2.0 تريليون دولار السعودية 1.3 تريليون دولار، الكويت 1.2 تريليون دولار، قطر 0.8 تريليون دولار ، إجمالي الأصول الأجنبية لهذه الدول الست بنحو 5.4 تريليون دولار و تجاوزت بالتأكيد 6 تريليونات دولار مع بداية هذا العام.

مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعرب عن رغبته الصريحة في جلب استثمارات ضخمة من دول الخليج إلى الولايات المتحدة وبعد محادثات تمهيدية مع البيت الأبيض في آذار 2025 ، أعلنت الإمارات العربية المتحدة عن خطط لاستثمار 1.4 تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي على مدى السنوات العشر القادمة و في الثاني عشر من آذار توجه ترامب في أول رحلة خارجية له منذ إعادة انتخابه رئيسا إلى الشرق الأوسط وأعلن البيت الأبيض عشية زيارته أن ترامب يعتزم زيارة السعودية والإمارات وقطر والعودة إلى الولايات المتحدة بصفقات بقيمة تريليون دولار و ختم زياراته و في جعبته ما يقارب 5000 مليار، المحزن والمخزي اننا من استثمارات هذه الصناديق لا نرى شيئا في أسواق العمل او اي مشروع تنمية المناطق العربية الأكثر فقرا والتي بأشد الحاجة إلى تنمية و رعاية ولا دولار واحد في توطين الصناعة الحقيقية والإنتاج والعلم حتى في التعليم ، فقط في قنوات الترفيه والملاعب الرياضية ، هو الذي يسمح به من أصحاب رأس مال الحقيقيون.

قبل الحرب العالمية الثانية ، كانت شعوب شبه الجزيرة العربية تعيش في عصر ما قبل الصناعة، أما اليوم فهي تعيش في مجتمع ما بعد الصناعة ، أي ما يمكن وصفه بـ"القفزة النوعية" وقد أصبحت الممالك العربية نموذجا يحتذى به للعديد من الدول النامية ، حتى أن سنغافورة وهونغ كونغ اللتين حظيتا بتغطية إعلامية واسعة، بدأت تتراجع أمام ازدهار هذه الأنظمة الى أن اندلعت الحرب الحالية بطريقة غير مألوفة على الإطلاق ، ٱذ لم تكن إسرائيل وحدها من أشعلت فتيلها ، بل الولايات المتحدة أيضا ومما زاد الأمر غرابة هي الضربة القوية التي استهدفت جميع القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة واتضح للجميع أن أمريكا أخفقت في الوفاء بالتزاماتها التي قطعتها على نفسها في القرن الماضي، هي التزامات بضمان الأمن للممالك العربية وإذا كانت أمريكا عاجزة عن الوفاء بهذه الالتزامات ، بالتالي تبين ان الرخاء (الجنة) على الأرض لم يكن سوى هياكل كرتونية على رمال متحركة ومجرد سراب .

ربما الحرب ستنتهي خلال شهرين على أبعد تقدير، لكن آثارها ستستمر لعدة أشهر (أو حتى عام أو أكثر) إلى أن تعود الأمور إلى طبيعتها وتستأنف حركة ناقلات النفط وغيرها من السفن التجارية ستستأنف نشاطها عبر مضيق هرمز ستستعيد دول الخليج العربي إنتاجها وتصديرها من المحروقات ومن المرجح أن يحدث هذا الانتعاش بالفعل ولا يمكن لأنظمة الخليج الاعتماد على استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية كما في السابق ، فقد تدهور مناخ الاستثمار بشكل حاد و من المرجح خروج رؤوس الأموال الأجنبية ولن تعود دول الخليج إلى سابق عهدها من الازدهار، بعد ان فقدت ثقتها بالولايات المتحدة بين عشية وضحاها ولكنها محيرة ان تثق ولن يسمح لها حل مشاكلها الأمنية عبر وسائل أخرى في كل الأحوال ولن تتمكن من الحصول على ضمانات كاملة من ترامب أو أي جهة أخرى بشأن سلامة انظمتها وهذا يعني أنها ستفقد مكانتها السابقة كملاذ آمن لرؤوس الأموال العالمية وهذه نتيجة خطيرة للغاية وثبت دون أن اقتصاد الريع هو مجرد فقاعة هوائية و الاستثمار الحقيقي يكون في توطين الصناعة والإنتاج لتحقيق نمو حقيقي وطني وليس اقتصادية وتحقيق اكتفاء ذاتي عند الأزمات ، و بكل موضوعية يمكن الجزم أن موارد العرب وأموالهم ليست ملك لهم، إنما ملك للشركات العالمية الاحتكارية والبنوك، والأنظمة مجرد نواطير ليس لها سيادة على شيء.