مجتبى خامنئي: من
مقالات
مجتبى خامنئي: من "رجل الظل" إلى "الولي الخفي".

آية مصدق

كان النظام الإيراني، عشية اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت قيادات الصف الأول، مشهدًا فارقًا في تاريخه. فقد كان على هذا النظام أن يتعامل مع وضع غير مسبوق، لم يقع فيه تصفية عالم ذرة أو قيادي بارز، وإنما رأس السلطة نفسه، قائد الثورة والولي الفقيه، النائب عن الإمام المعصوم. غير أن مجلس الخبراء والحرس الثوري أظهرا مرونة في احتواء الأزمة، وعلى عكس ما كان يتوقعه الحليفان، لم يسقط النظام بسقوط رأسه. وسرعان ما تمت مبايعة نجل المرشد الراحل، حجة الإسلام مجتبى خامنئي، خلفًا لوالده في منصب الولي الفقيه. لكن اللافت للانتباه أكثر هو ما أعقب ذلك من غياب لمجتبى عن الرأي العام وعدم ظهوره إعلاميًا منذ اغتيال والده، وكأن "رجل الظل" الذي اعتاد العمل خلف الستار لعقود، قد وجد نفسه فجأة على قمة الهرم، فلم يستطع، أو ربما لم يرد، التخلي عن طبيعة التخفي. فهل هذا الغياب استمرار لأسلوبه القديم، أم مؤشر على أزمة أعمق؟.

يُوصف مجتبى خامنئي، البالغ من العمر ستة وخمسين عامًا، بأنه الشخصية الأكثر نفوذًا في الداخل الإيراني. ورغم أنه لم يشغل منصبًا حكوميًا، ولم يظهر بشكل علني في خطب الجمعة والمناسبات الوطنية، إلا أنه كان يحظى بولاء كبير داخل قوات "الباسيج" والحرس الثوري، وله دور محوري في قمع احتجاجات 2009، بالإضافة إلى إدارة الملفات الأمنية الحساسة. هذا النمط من الحكم وتحريك الأحداث من خلف الستار جعله "رجل الظل" بامتياز. وعند توليه منصب ولي الفقيه، توقع الجميع أنه سيتخلى عن هذا الأسلوب ويظهر للعلن لملء الفراغ الذي تركه والده، لكن ما حدث هو العكس تمامًا. فقد اختفى مجتبى عن الأنظار، ولم يصدر عنه سوى بيانين مسجلين قُرئا على لسان مذيعي التلفزيون الإيراني الرسمي، إلى جانب مقطع فيديو قصير يظهر وهو يتلقى العلاج، وقد قيل إنه مُنتَج بالذكاء الاصطناعي.

وهذا يفتح الباب أمام ثلاثة احتمالات، لا يمكن الجزم بصحة أي منها في الوقت الحالي، لكن جميعها تحمل تداعيات مصيرية على مستقبل النظام الإيراني:

الاحتمال الأول، وهو الذي تروّج له الأوساط الأمريكية خاصة، يقول إن مجتبى خامنئي يختفي قسرًا بسبب إصابته البالغة في الهجوم الذي أودى بحياة والده. ووفقًا لهذه الرواية، كان مجتبى برفقة والده لحظة الاستهداف، مما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة على مستوى الرأس والساق، مع تقارير غير مؤكدة عن فقدانه إحدى ساقيه أو دخوله في غيبوبة. ووفقًا لهذا الاحتمال، فإن الرأس الثالث للجمهورية الإيرانية الإسلامية موجود بالاسم فقط، بينما يدير الحربَ مجلسٌ عسكري من الحرس الثوري في انتظار تحسن وضعه الصحي، أو الإعلان الصريح عن وفاته أو عجزه الجسدي.

الاحتمال الثاني، وهو الأكثر شيوعًا في الأوساط الإيرانية المقربة من النظام، يرى أن غياب مجتبى هو إجراء أمني ضروري ومشروع في ظل حرب مفتوحة تستهدف القيادات البارزة. ووفقًا لهذا، فإن مجتبى يمارس مهامه بشكل طبيعي من مكان آمن. وهذا الاحتمال قد يفسر كفاءة الحرس الثوري في إدارة الحرب وتنفيذ القرارات الكبرى على الأرض دون تأخير أو تناقض، مما يشير إلى وجود قيادة واحدة وعليا داخل النظام، سواء كانت مجتبى شخصيًا أو نائبًا عنه.

أما الاحتمال الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا، فيطرح فرضية أن مجتبى خامنئي لم يرد التخلي عن طبيعة "رجل الظل" التي كان عليها طوال السنوات الماضية، ويحاول حكم إيران من تحت الأرض وخلف الستار، وكأنه يضفي على منصب الولي الفقيه غموضًا وسرية تزيده قداسة، ويرفض أن يكون هدفًا مشروعًا للأعداء. فظهور والده للعلن جعل الاستخبارات الإسرائيلية تبني نمط حياة سهّل عملية اغتياله. غير أن هذا السيناريو يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع نظام ولاية الفقيه الصمود إذا أصبح الولي الفقيه نفسه غير مرئي؟ ألم تُطرح نظرية ولاية الفقيه لأول مرة كحل لسد الفراغ التشريعي بعد غيبة الإمام المعصوم؟ فكيف ستتعامل مع "غيبة" الولي الفقيه ؟ وهل الشرعية الدينية التي تستمد من حضوره يمكن أن تستمر عبر رسائل مسجلة وبيانات؟ من المبكر الإجابة عن هذه الأسئلة، لكن المؤكد أن استمرار غياب رأس السلطة في إيران سيساهم في إضعاف هيبة المنصب والثقة في النظام.

في الختام، تظل الحقيقة الوحيدة هي اختفاء مجتبى خامنئي المرشد الأعلى لإيران عن المشهد العام. وهذا الغياب، سواء كان قسريًا بسبب المرض، أو اختياريًا بسبب الخوف، أو حتى طباعيًا بسبب طبيعته الخفية، يضع النظام الإيراني أمام اختبار حقيقي: هل يمكن للجمهورية الإسلامية أن تستمر برأس غير مرئي؟ الأيام القادمة ستكشف نوع هذا الاختفاء، وإن كان بداية متعثرة لعهد جديد من الحكم، أم بداية لإعلان اغتيال الرأس الثالث للجمهورية الإسلامية الإيرانية.