بقلم: عدنان علامه
عضو الجمعية الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
بينما تُصاغ معادلات القوة العالمية في مياه مضيق هرمز، وتخضع الإدارة الأمريكية لواقع "وحدة الساحات" المفروض بالنار والضغط الإستراتيجي، تصر السلطة في بيروت على التغريد خارج سرب القوة، متمسكةً بوعود سرابية من وسيط هو في الأصل الشريك الكامل والممول الرئيسي للعدوان.
أولاً: موازين القوة الإقليمية.. "هرمز" يحكم العالم
أثبتت طهران أن لغة المصالح هي الوحيدة التي يفهمها البيت الأبيض. ففي الوقت الذي يسعى فيه ِترامب لانتزاع "نصر وهمي" وتسويق نفسه كصانع للسلام العالمي لتعزيز شعبيته، جاء الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز ليضعه أمام خيارين:
1-1إما الانهيار الاقتصادي العالمي
2-1 أو القبول بالشروط التي تربط استقرار المنطقة ككل، بوقف العدوان على لبنان واليمن والعراق.
إن إغلاق الشريان الحيوي للطاقة هو "نقطة ارتكاز" أجبرت واشنطن على إعادة الحسابات، وجعلت من المبادرة الإيرانية عرضاً لا يمكن تجاوزه، بل هو الممر الإلزامي لأي تسوية حقيقية.
ثانياً: الرهان اللبناني الخاسر.… فواشنطن ليست حكماً أو وسيطًا نزيهًا
وفي المقابل، يبرز ضعف الموقف الرسمي اللبناني الذي يقوده الثنائي ( رئيس الجمهورية والرئيس سلام)، عبر إرتهان كامل للوعود الأمريكية - الإسرائيلية.
ومن السذاجة السياسية بمكان، إعتبار واشنطن "وسيطاً" نزيهًا، وهي التي تمد العدو بكل قنبلة ذكية وصاروخ يفتك المدنيين.
وقد جربت السلطة اللبنانية مدى مصداقية أمريكا في إتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024؛ فبدلًا من إرغام قوات الإحتلال على إيقاف الأعمال العدائية ضد لبنان أعطتهم صكًا مكتوبًا بإستباحة كل لبنا خلال مدة ال 60 يومًا للإنسحاب.
وبدلًا من ترتيب الإنسحاب قامت قوات الإحتلال بتدمير القرى الأمامية والخلفية أكثر ما دمرت خلال عدوان ال 66 يومًا.
ولا بد أن السلطة قد تناست الإهانات ووقاحة َالمبعوثين أورتاغوس وبرّاك. فأرتاغوس طلبت أن يكون المسؤولين اللبنانيين مطيعين كأبو محمد الجولاني وياخذونه كعبرة.
وأما برّاك فقد أبلغ السلطة اللبنانية بكل وقاحة وإنحياز بأن إسرائيل لن تنسحبمَن المواقع الإستراتيجية المحتلة.
إن الإعتماد على "الشريك الكامل" لإسرائيل هو تنازل طوعي عن أوراق القوة اللبنانية.
وإن الرفض الرسمي للمبادرة الإيرانية "المجانية" التي تضمن انسحاب العدو للحدود الدولية هو إنتحار سياسي يترك لبنان وحيداً تحت رحمة المماطلة الإسرائيلية.
ثالثاً: 16 شهراً من العجز عن حفظ السيادة إلى "قسطل المياه"
فمنذ 27 نوفمبر 2024 وحتى اليوم، مرت 16 شهراً عجافاً لم تحقق فيها الحكومة اللبنانية خرقاً واحداً لوقف جرائم الحرب؛ بل إن الفشل وصل إلى حدود مخزية:
1-3عجز تقني وإنساني:
السلطة التي ترفض الدعم الإقليمي المجاني عجزت عن إصلاح "قسطل مياه" لتغذية قرية القليعة ومحيطها.
2-3 فشل الآليات الدولية:
لم تستطع الحكومة إجبار العدو عبر "اليونيفيل" أو "الميكانيزم" الدولي على تصليح عطل بسيط، رغم أن السكان يقعون تحت سيطرة الاحتلال وبموجب القانون الدولي، فالمحتل مُلزَّم بتوفير الخدمات الأساسية للمدنيين الواقعين تحت وطأة الإحتلال قسرًا.
3-3 دبلوماسية الشكاوى الورقية: بينما تكتفي بيروت بتقديم شكاوى لا تغني ولا تسمن من جوع، تفرض القوى الإقليمية معادلاتها بالمسيرات وإغلاق المضائق.
فما هو المطلوب؟
سيادة الارتهان أم سيادة الفعل؟
إن رفض الدولة اللبنانية للعرض الإيراني في هذا التوقيت، هو إعتراف ضمني بالعجز، وتغطية على فشل ذريع في حماية أبسط حقوق المواطن (شربة الماء).
فكيف لمن يعجز عن انتزاع حق إصلاح قسطل مياه من "الشريك الأمريكي"، أن ينتزع سيادة وطن أو إنسحاب محتل يصر على إحتلال أكثر من 100 كلم٢ من خلال شريط بعرض 8 كلم على طول الحدود وخالية من السكان؟
إن القوة اليوم لا تُستجدى من أروقة واشنطن، بل تُنتزع من مياه هرمز ومن ميادين الصمود. فهل تستفيق السلطة من غيبوبتها قبل أن تبتلع المماطلة الإسرائيلية ما تبقى من جغرافيا وأنفس؟
وإنَّ غدًا لناظره قريب
09 نيسان/أبريل 2026