تقدير الموقف
يحاول العدو الإسرائيلي، عبر رفع منسوب العدوان وتوسيع رقعته الجغرافية على لبنان، فرض إيقاع ميداني وسياسي جديد يسبق اجتماع الجيش اللبناني المرتقب في البنتاغون بتاريخ 29 أيار الجاري، في محاولة واضحة لإعادة تشكيل قواعد الضغط والتفاوض انطلاقًا من فائض النار والتصعيد الميداني. ويتجلّى ذلك من خلال الزيادة الملحوظة في عدد الغارات الجوية، ولا سيما تلك التي تستهدف المدن والبلدات الكبرى في الجنوب والبقاع، بما يعكس انتقالًا متدرجًا من سياسة الاستنزاف الموضعي إلى استراتيجية الضغط الشامل ذات الطابع النفسي والعسكري والسياسي معًا.
وبالتوازي مع التصعيد الجوي، يسعى جيش الاحتلال إلى تحقيق تقدم بري وتثبيت نقاط تموضع جديدة على محاور نهر زوطر ويحمر الشقيف وحداثا، بما يمنحه أوراقًا ميدانية إضافية قبيل أي نقاش سياسي أو أمني يتعلق بالوضع اللبناني. فالمعركة هنا لا تُدار فقط بالنار، بل بمنطق صناعة الوقائع المسبقة وفرض توازنات قسرية تُستخدم لاحقًا كأدوات ابتزاز سياسي وأمني في مواجهة سلطة لبنانية تبدو، وفق الوقائع الحالية، فاقدة لأي عناصر قوة تفاوضية، بل أقرب إلى موقع المتلقي للشروط والإملاءات.
الأخطر في هذا المسار لا يقتصر على حجم العدوان بحد ذاته، بل في الخطاب السياسي والإعلامي الذي يرافقه، حيث يحاول العدو إظهار عملياته العسكرية وكأنها تندرج ضمن سياق “التعاون غير المباشر” مع الحكومة اللبنانية تحت عنوان “بسط السيادة” و”تفكيك البنية العسكرية لحزب الله”. وهي مقاربة تعكس محاولة إسرائيلية ممنهجة لإعادة تعريف الصراع داخل لبنان، عبر تصوير المقاومة كجهة خارجة عن القانون، وتجريم أي فعل مقاوم ضد قوات الاحتلال حتى في ظل استمرار احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية واستمرار الاعتداءات اليومية على السيادة الوطنية.
ومن الناحية الاستراتيجية، يسعى الاحتلال إلى بناء معادلة جديدة تقوم على تحويل الدولة اللبنانية إلى مظلة سياسية وأمنية تُستخدم لتأمين متطلبات الأمن الإسرائيلي، مقابل إبقاء حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية مفتوحة فوق الأراضي اللبنانية. وهذا ما يفسّر طبيعة الرسائل النارية الحالية، التي تتجاوز في مضمونها مجرد الضغط العسكري التقليدي، لتصل إلى مستوى محاولة فرض إعادة هندسة كاملة للواقع الأمني والسياسي اللبناني تحت الإدارة والرعاية الأميركية المباشرة.
وعليه، فإن ما يجري اليوم لم يعد يُقرأ فقط ضمن إطار التواطؤ السياسي التقليدي أو تقاطع المصالح، بل بات، وفق المؤشرات الميدانية والسياسية، أقرب إلى نمط من التنسيق العملياتي غير المعلن، تُدار إيقاعاته ضمن غرفة قرار واحدة تقودها واشنطن، وتُترجمها إسرائيل بالنار والتدمير والاغتيالات واستهداف البنية المدنية في الجنوب والبقاع. وفي هذا السياق، تصبح كل غارة، وكل منزل يُدمَّر، وكل شهيد يسقط، جزءًا من مشروع ضغط مركّب يراد منه فرض وقائع جديدة على لبنان بالقوة العسكرية والإخضاع السياسي معًا.
عباس المعلم - كاتب سياسي