ثقافة التلقين وقمع العقل
مقالات
ثقافة التلقين وقمع العقل
ا. خالد الحديدي / مصر
18 نيسان 2026 , 21:13 م

* أ. خالد الحديدي / مصر

ليست المشكلة في الحفظ بوصفه فعلًا معرفيًا أوليًا، بل في تحوّله إلى سقف نهائي تُقاس عنده قيمة الإنسان. فالحفظ، في أصله، مرحلة ضرورية؛ هو المادة الخام التي يتغذى عليها الفهم. لكن الكارثة تبدأ حين يُختزل التعليم في هذه المرحلة، وحين يُعاد تعريف التفوق بوصفه قدرة على الاسترجاع لا على الإبداع، وعلى التكرار لا على التوليد.

إن ما نواجهه ليس مجرد خلل تربوي عابر، بل بنية ذهنية وثقافية متجذّرة، تعيد إنتاج نفسها عبر مؤسسات التعليم، والإعلام، وحتى الخطاب الاجتماعي اليومي. هذه البنية تقوم على مفارقة صامتة: نعلن تقديرنا للعلم، لكننا في الممارسة نكافئ ما يناقض جوهره. نرفع شعار التفكير، لكننا نحتفي بالطاعة. نطالب بالإبداع، لكننا نعاقب الاختلاف.

في هذا السياق، يصبح السؤال فعلًا مريبًا. ليس لأنه خطأ، بل لأنه يكشف هشاشة ما نظنه ثابتًا. السؤال يزعزع، يفتح احتمالات، ويعيد ترتيب المعنى. لذلك يُنظر إليه ضمنيًا بوصفه تهديدًا، لا بوصفه أداة معرفة. ومن هنا، تُبنى منظومة تعليمية تُفضّل الإجابات الجاهزة، لأنها تضمن الاستقرار، وتُقصي الأسئلة لأنها تفتح باب القلق.

هذا القلق هو جوهر المشكلة. فالمجتمعات التي تُقصي السؤال لا تفعل ذلك لأنها تجهل قيمته، بل لأنها تخشى نتائجه. السؤال يقود إلى الشك، والشك يقود إلى إعادة النظر، وإعادة النظر قد تقود إلى تفكيك أنساق راسخة. لذلك، يصبح من الأسهل ترويض العقل منذ بداياته، وتعليمه أن الطريق الآمن هو الصمت أو التكرار.

وهنا، لا يعود الحفظ مجرد أداة تعليمية، بل يتحوّل إلى آلية ضبط وقمع. الطالب الذي يحفظ يندمج بسهولة، لأنه لا يطرح إشكالات، ولا يخرج عن النص. أما الذي يفهم، فهو خطر محتمل، لأنه قد يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وماذا لو كان الأمر مختلفًا؟ هذه الأسئلة ليست معرفية فقط، بل هي أسئلة وجودية تهدد البنية التي تقوم على اليقين السهل.

لكن الأخطر من ذلك هو أن هذه المنظومة لا تقتل التفكير بشكل مباشر، بل تفرغه تدريجيًا من معناه. فهي لا تمنع السؤال صراحة، بل تجعله بلا جدوى. الطالب الذي يسأل لا يجد استجابة، أو يُقابل بإجابات مغلقة، أو يُشعر بأن سؤاله خارج المطلوب. ومع الزمن، يتعلم أن السؤال لا يُكافأ، بل يُهمل. وهنا، يحدث التحوّل الأخطر لا يعود القمع خارجيًا، بل يصبح داخليًا. يتوقف الفرد عن السؤال، لا لأنه مُنع، بل لأنه لم يعد يرى فيه قيمة.

في هذا المستوى، نكون قد انتقلنا من أزمة تعليم إلى أزمة وعي. فالعقل الذي يتوقف عن السؤال لا يفقد المعرفة فقط، بل يفقد قدرته على إنتاج المعنى. يتحوّل إلى وعاء، لا فاعل. إلى مستقبل، لا مُبدع. وهنا، يتكرّس نمط من الوجود الثقافي قائم على الاستهلاك، لا على الإنتاج.

وإذا تأملنا نتائج هذا المسار، نجد أنها لا تقتصر على المجال التعليمي، بل تمتد إلى كل بنية المجتمع. فالموظف الذي لا يفكر، والسياسي الذي يكرر، والمثقف الذي يعيد إنتاج ما قيل، جميعهم نتاج هذا النظام. إنها سلسلة مترابطة حين يُقمع السؤال في المدرسة، يُقمع في العمل، وفي السياسة، وفي الثقافة. وهكذا، يتحول المجتمع بأكمله إلى صدى لنفسه.

ومن المفارقات اللافتة أن هذا النمط يُنتج وهمًا بالتفوق. فالأفراد قد يمتلكون كمًا هائلًا من المعلومات، ويحققون درجات عالية، ويحصلون على شهادات مرموقة، لكنهم في العمق عاجزون عن التعامل مع المشكلات الحقيقية، لأنها تتطلب ما لم يتعلمو التفكير، التحليل، وربط المعاني. وهنا، يظهر التناقض بين النجاح الشكلي والعجز الفعلي.

إن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه ليس: كيف نُحسّن طرق الحفظ؟ بل: كيف نعيد الاعتبار للفهم؟ كيف نجعل من السؤال قيمة، لا خطأ؟ كيف نحول التعليم من عملية نقل إلى عملية خلق؟

الإجابة تبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين المعلم والمتعلم. فالمعلم لا ينبغي أن يكون مصدر الحقيقة، بل شريكًا في البحث عنها. والتعليم لا ينبغي أن يكون تلقينًا، بل حوارًا. يجب أن تتحول قاعة الدرس من فضاء للإجابات إلى فضاء للأسئلة، ومن مكان للانضباط الصامت إلى مساحة للتفكير الحر.

كما يتطلب الأمر إعادة النظر في أنظمة التقييم. فالامتحانات التي تقيس القدرة على التذكر فقط، تُعيد إنتاج نفس الخلل. يجب أن تُصمَّم أدوات تقييم تقيس الفهم، والقدرة على التحليل، والربط، وإنتاج الأفكار. لا يكفي أن يعرف الطالب ماذا، بل يجب أن يُظهر كيف ولماذا.

لكن الأهم من ذلك كله هو التغيير الثقافي. لا يمكن إصلاح التعليم بمعزل عن تغيير نظرتنا إلى العقل. يجب أن نتوقف عن الخوف من الاختلاف، وأن نعيد الاعتبار للخطأ بوصفه جزءًا من التعلم، لا دليلًا على الفشل. فالعقل لا ينمو في بيئة آمنة تمامًا، بل في بيئة تسمح له بالمخاطرة.

إن المجتمعات التي تقدمت لم تصل إلى ذلك لأنها تملك مناهج أفضل فقط، بل لأنها تبنّت موقفًا مختلفًا من المعرفة. لم تعتبرها شيئًا مكتملًا، بل مشروعًا مفتوحًا. لم تخف من السؤال، بل جعلته مركز العملية التعليمية. لذلك، استطاعت أن تنتج معرفة جديدة، لا أن تكرر القديمة.

في المقابل، حين نُكافئ الذاكرة أكثر مما نُقدّر العقل، فإننا لا نُنتج علماء، بل نُنتج حُفّاظًا. نُنتج أفرادًا قادرين على استرجاع ما قيل، لكنهم عاجزون عن التفكير خارج المألوف. وهذا هو جوهر الأزمة غياب القدرة على الإضافة.

وفي النهاية، لا يكون اختفاء العلماء حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة منطقية لمسار طويل. مسار بدأ حين قررنا، بوعي أو بدونه، أن الراحة أهم من القلق، وأن اليقين أسهل من السؤال، وأن التكرار أكثر أمانًا من التفكير.

وحينها، لا يعود السؤال: لماذا تأخرنا؟ بل يصبح: متى بدأنا نكافئ الخطأ على أنه صواب؟ وكيف أقنعنا أنفسنا أن غياب التفكير يمكن أن يُنتج معرفة؟

الإجابة، مهما كانت قاسية، تبدأ من هنا: من لحظة قررنا فيها أن نحفظ… بدل أن نفهم.

* كاتب و ناقد مصري