كتب الأستاذ حليم خاتون:
من ١٩٤٧ إلى ١٩٤٩ سيطرت إسرائيل على ما بين عشرين وأربعين قرية وبلدة لبنانية هي جزء من ال ١٠٤٥٢ كلم٢، وهي ما يعرف اليوم باسم القرى السبع...
نصف قرن مر منذ ذلك التاريخ، تم أثناءها محو هذه القرى والبلدات بالكامل وبناء مستوطنات فوقها...
بعضها حافظ على نفس التسمية مثل مستوطنة المطلة، وبعضها الآخر تم تغيير أسمائها إلى أسماء يهودية تحت سياسة التهويد التي باتت كلمة عادية عند الكثيرين في لبنان والعالم العربي النائم حتى الموت!...
اتفاقية الهدنة التي عقدتها السلطة اللبنانية بعد حرب ال ٤٨ التي يطالب بها البعض اليوم في لبنان لم تُعِد هذه القرى والبلدات رغم الإبقاء نظريا على رقم ال ١٠٤٥٢ كلم٢ لمساحة لبنان...
طار ذلك الجزء من أرض الوطن، وتهجر من نجا من المجازر!...
تعاملت السلطة اللبنانية مع بقايا أهالي هذه القرى والبلدات إما كلاجئين فلسطينيين!!! أو اعتبرتهم مواطنين بدون قيد حتى جاء مشروع الحريري للتجنيس، فتم تجنيس معظم هؤلاء و(تربيحهم الجميل على هذا التجنيس) رغم كل الظلم التاريخي الذي حل بهم...
بين سنة ١٩٦٨ و١٩٧٨ تقدمت إسرائيل وقضمت عشرات الكيلومترات المربعة بما في ذلك مزارع شبعا وتلال كفرشوبا التي يصرّ بعض أهل النظام اللبناني حتى اليوم على رفض لبنانيتها أيضا مع الكلام عن قدسية ال ١٠٤٥٢ كلم٢؛ بعضهم عن سوء نية من موقع العداء مع المقاومة، وبعضهم الآخر من موقع الخيانة بناء على تعليمات السفارة الأميركية...
في اجتياح سنة ١٩٧٨، احتلت إسرائيل جزءا كبيرا من جنوب لبنان، وقامت بتأسيس جيش لبنان الجنوبي تحت إمرة الرائد الخائن من الجيش اللبناني سعد حداد (يطلق أحيانا عليه إسم جيش لبنان الحر على نفس نسق الجيش السوري الحر الذي أسسته تركيا تحت إمرة رياض الأسعد والذي أدى الى إسقاط الدولة السورية!)...
مع تحرير سنة ٢٠٠٠ الذي حققته المقاومة الإسلامية التي حاربها النظام اللبناني منذ التأسيس سنة ١٩٨٣، احتفظت إسرائيل ب١٥ نقطة بما في ذلك نقطة ال B1 على البحر المتوسط في بلدة الناقورة التي تعطي لبنان الحق في الخط ٢٩ وأسست بالتالي لخسارة بئر كاريش للغاز المفروض ان يكون لبنانيا وفق القوانين الدولية للبحار...
سنة ٢٠٠٦ احتفظت إسرائيل بجزء كبير من أراضي بلدة الميري وقامت بضمها إلى بلدة الغجر المحتلة...
بعد وقف اطلاق النار في ٢٧ نوفمبر تشرين الثاني سنة ٢٠٢٤ تقدمت إسرائيل وتمركزت في خمسة تلال بعد سقوط الدولة السورية؛ ثم أخذت تتقدم مترا بعد متر تحت غطاء الميكانيزم الذي تمسكت به سلطة النظام اللبناني الذي تراوح بين العمالة الذاتية بفعل الخيانة، والعمالة الموضوعية بفعل الضعف والاستسلام اللامباشر لاميركا والميكانيزم...
خلال ١٥ عشر شهرا بين ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٤ و٢ آذار ٢٠٢٦، قامت إسرائيل برفع نسبة التدمير في قرى الحافة الأمامية من حوالي ٣٠% إلى ١٠٠%...
بعد وقف إطلاق النار في منتصف نيسان إبريل ٢٠٢٦ سيطرت إسرائيل على ٥٥ قرية وبلدة لبنانية وبدأت باستكمال عمليات الهدم والتدمير لمنع السكان من مجرد التفكير في العودة...
الصور التي يتفاخر الجيش الإسرائيلي بعرضها عن بلدة عيتا الشعب والمناطق التي يسيطر عليها في أجزاء من بلدة الخيام ومدينة بنت جبيل تُظهر مدى تصميم الصهاينة على البدء في تهويد هذا الشريط الحدودي الممتد على طول الحدود مع فلسطين المحتلة وزرع مستوطنات كما حصل مع القرى السبع في الاربعينيات من القرن الماضي...
لم يكتف النظام اللبناني بكل تلك المآسي التي يمكن وصفها بالخيانة؛ بل منع حتى ذكر تفاصيل تلك الأحداث في كتب التاريخ حتى نشأ جيل كامل من اللبنانيين لا يعرف هذه الحقائق...
بعد وقف اطلاق النار انقسم اللبنانيون بين من يصدق رواية السلطة اللبنانية العميلة بأنها هي من توصل إلى هذا الوقف بفضل الدعم الأميركي رغم علم الجميع أن كل البكاء السابق لوزير الخارجية يوسف رجّي وإن استعطاء هذه السلطة اي شيء من الأميركيين كان يصطدم دوما بكلمة واحدة: "نحن لزمنا لبنان لإسرائيل!"
أما القسم الآخر فهو مقتنع بأن الذي استطاع فرض وقف النار هو الدور الإيراني الذي يربطه بالمقاومة الإسلامية في لبنان حلف فولاذي...
اختلف الفريقان على من أمّن وقف النار، ونسيا ما يحصل!
ما يحصل يا سادة هو إبادة البشر والحجر قبل التهويد القادم!
أمس وصل خبر استشهاد المجاهد العشريني علي يوسف خاتون...
ربما لم يكن علي قد عرف ان أباه يوسف قد سبقه إلى الشهادة قبل حوالي أسبوعين!
هل كان علي ليقبل وقف النار لو علم بشهادة أبوه!...
ماذا عن سارة التي فقدت أعماما وأخوالا وبيوتا وأشجارا وذكريات!
ماذا عن فلان وفلان وفلان من جنود هذه الأرض المجهولين!
كل عشرة او عشرين سنة تقوم إسرائيل بحرب تقضي على أجيال، وعلى أحلام أجيال!
هل هذه حياة!
هل نقاتل كل مرة لنصل ال وقف لإطلاق النار!
هذا الكلام ليس موجها لسمير جعجع ولا لشارل جبور أو ابراهيم صقر...
ليس موجها لمي شدياق التي تصر اننا من طينة أدنى منها!
هذا موجه إلى المقاومة الإسلامية نفسها!
إلى الأخ الأكبر الذي لم يخسر أخا أو ولدا أو بيتا وحتى لو خسر فهو جزء من النظام...
والميكانيزم تحتاجه لتطويع الناس وجعلها تقبل ما لم يعد مقبولا القبول به!
النائب السيد حسن فضل الله الذي استعاد لسان المقاومة بعد ضياع في الشراكة الوطنية الزائفة طيلة ١٥ شهرا أرانا فيها شركاؤنا في الوطن نجوم الظهر في الإذلال والطعن بين من يريد قتلنا، ومن يريد وضعنا في بوسطات وسفن شحن تحملنا إلى العراق؛ حتى السيد حسن فضل الله يحصر كل همه هذه الأيام في مفاوضات غير مباشرة مع عدو نعرف جميعنا (لأنه يصرح ليلا ونهارا) أن هدفه النهائي هو ذبحنا أو تهجيرنا وسرقة بيوتنا وأرزاقنا...
كأن المفاوضات غير المباشرة مع هذا العدو سوف تكون غيرها في حال المفاوضات المباشرة...
إذا كان النظام اللبناني عميل وخائن ومستعد للتخلي عن أجزاء من لبنان كما هي عادته منذ ١٩٤٨، فإلى ماذا يريد السيد حسن فضل الله الوصول بالمفاوضات غير المباشرة؟
يطلب نواب المقاومة وحركة أمل أن لا يتم التفاوض دون استعمال قوة المقاومة!
ماذا يعني ذلك؟
هل يريدون مفاوضة إسرائيل على سلاح المقاومة مقابل تعهد بالعقلانية؟
أليس هذا ما يسعى له جوزيف عون ونواف سلام في المفاوضات المباشرة!
الا يرى كل هؤلاء العميان ما يجري في الضفة الغربية؟
هل هناك عقلانية أحط من العقلانية التي آمن بها محمود عباس!
طالما في فلسطين المحتلة هناك نظام استعماري عنصري ديني، سوف نظل دائما تحت تهديد نفس مصير الضفة الغربية وفلسطين...
لذلك أعجب من هؤلاء الفلسطينيين الذي يعيشون من يوم ليوم دون حياة ودون معنى!
هل نوافق بعد كل حرب على وقف للنار من اجل هكذا حياة؟
قد يكون جوزيف عون ونواف سلام خائنين عميلين ذاتيين حقيرين كما كل الخونة وكل العملاء... وقد يكونا عميلين خائنين موضوعيين لكن دائما حمارين سوف يؤديان بنا إلى التهلكة بالمفرق أو بالجملة...
لكن من المؤكد أن وقف إطلاق النار والهدنة في كل مرة سوف تؤدي بنا إلى التهلكة بالتقسيط...
هذه المرة لم نعد نتحدث عن (إعادتها أجمل مما كانت)!
هذه المرة طفح الكيل!
كل مرة نخسر شبابا وعائلات وقرى وبلدات... نخسر حياة طبيعية... نخسر استقرارا وكأن المقبرة هي وحدها المستقر!
لم نعد نريد ذلك!
لا نريد وقفا لاطلاق النار بعد اليوم!
لا نريد هدنة بعد اليوم!..
فلتستمر الحرب حتى نقضي عليهم أو يقضوا علينا وفي يدنا هدم الهيكل على رؤوس العالم كله!
نرفض أن يحدثنا اي كان عن العرب والعربان...
أبناء زايد وأمير الكويت ليسوا من العرب بشيء!
كل عربي يقف مع أميركا؛ هو يقف مع إسرائيل ضمنا بشكل تلقائي؛ حتى لو كذب على نفسه وعلى ملايين الأغبياء من العرب والمسلمين...
كل عربي يتواجد في بلده قاعدة اميركية ولا يفعل شيئا هو عربي ناقص دين وناقص دنيا... هو مجرد بغل لركوب الاستعمار عليه...
هذا وضع الملايين في الخليج والأردن والعراق وسوريا ولبنان والمغرب...
كل عربي يوجد في بلده سفارة أميركية ولا يفعل شيئا هو اكثر بكثير من مجرد شيطان أخرس كما في كل البلدان المحسوبة على حرف الضاد زورا وبهتانا...
معظم شركاؤنا في الوطن في لبنان مجرد شراميط عندا أميركا "واللّي مش شرموط" إما سمسار "شرمطة" وإما ساكت عن "الشرمطة" ومستفيد منها...
باختصار خلاص؛ فلتكن الحرب وليكن ما يكون!...
إما نموت ونميت معنا العالم، أو تحل أميركا وشراميطها عن ظهرنا و"نخلص بقا"!