حين يختزل نتنياهو حروبه كلها باسم حسن نصر الله ..
مقالات
حين يختزل نتنياهو حروبه كلها باسم حسن نصر الله ..
عباس المعلم
15 حزيران 2026 , 22:40 م

على امتداد ثلاثة أعوام متواصلة، لم تتوقف آلة الحرب الإسرائيلية عن إنتاج القتل والتدمير والاحتلال، حتى تجاوزت حدود المواجهة التقليدية لتتحول إلى سلسلة من الحروب والتوترات الإقليمية والدولية التي امتدت ارتداداتها إلى الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، والممرات البحرية، وخرائط النفوذ والتوازنات في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، كلما وجد بنيامين نتنياهو نفسه محاصراً بأسئلة الداخل الإسرائيلي، وعاجزاً عن تسويق ما يُسمّى «الانتصار الحاسم»، أو عن تقديم إجابة مقنعة حول الأمن المفقود لسكان الكيان، وحول الجدوى الاستراتيجية لحروب الاستنزاف المفتوحة، يعود إلى النقطة ذاتها، ويستحضر الحدث نفسه بوصفه الإنجازه الأكبر والأثمن: اغتيال السيد حسن نصر الله.

ففي أكثر من مناسبة، وتحت وطأة الانتقادات السياسية والعسكرية، قدّم نتنياهو اغتيال نصر الله على أنه التحول المفصلي الذي غيّر وجه المنطقة، معتبراً أن ما تحقق باغتياله يفوق في نتائجه ما يمكن أن تحققه جيوش أو حملات عسكرية كاملة. وذهب إلى حد توصيفه بأنه يعادل تحييد «قنبلة نووية استراتيجية»، مدعياً أن غيابه أفضى إلى سقوط سوريا وتشديد الحصار على غزة وشل مقاومتها، وفتح أبواب المواجهة مع إيران والعراق واليمن، وإعادة رسم المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط برمّته.

في جوهر هذا الخطاب، لا يكشف نتنياهو عن حجم الإنجاز الذي يزعم تحقيقه بقدر ما يكشف عن المكانة الاستثنائية التي كان يحتلها السيد حسن نصر الله في معادلات الصراع الإقليمي والدولي. فالشخصيات العادية لا تتحول إلى معيار تقاس به الحروب، ولا تصبح محوراً تُبنى حوله سرديات الانتصار والهزيمة. وعندما يختزل رئيس حكومة الاحتلال حصيلة سنوات من القتال والدمار والإنفاق العسكري الهائل باغتيال رجل واحد، فإنه يقدم، من حيث يدري أو لا يدري، شهادة سياسية وتاريخية على حجم تأثير ذلك الرجل وموقعه في موازين القوى.

لقد تجاوز حضور السيد حسن نصر الله منذ سنوات طويلة الإطار اللبناني الضيق، ليتحول إلى أحد أبرز الفاعلين غير الرسميين في الإقليم، وإلى شخصية كانت قراراتها وخطاباتها ومواقفها تُدرج في حسابات العواصم الكبرى وأجهزة الاستخبارات ومراكز الدراسات الاستراتيجية. ولذلك لم يكن تأثير غيابه مرتبطاً بتاريخ 27 أيلول 2024، ولا توقف عند مراسم التشييع في 23 شباط 2025، بل استمر باعتباره عاملاً حاضراً في قراءة التحولات اللاحقة وفي تفسير سلوك الخصوم والحلفاء على حد سواء.

والمفارقة الأشد دلالة أن حضور السيد نصر الله بعد غيابه بدا، في بعض المحطات، أكثر وضوحاً لدى خصومه منه لدى أنصاره. فكلما تعثرت إسرائيل في تحقيق أهدافها، وكلما تصاعد الجدل داخل الكيان حول جدوى الحرب ومآلاتها، عاد اسمه إلى الواجهة باعتباره العقدة التي كانت تؤرق المؤسسة الإسرائيلية لعقود، وباعتباره الشخصية التي لا يزال تأثيرها حاضراً في الحسابات العسكرية والسياسية رغم غيابها الجسدي.

لهذه الدرجة، وربما أكثر، يدرك نتنياهو وكثير من دوائر القرار الدولية حجم التداعيات التي ترتبت على اغتيال السيد حسن نصر الله. فبعض الشخصيات تنتهي بغيابها، أما الشخصيات التي تصنع تحولات كبرى في التاريخ فإنها تتحول بعد رحيلها إلى جزء من المشهد نفسه، وإلى عنصر دائم في تفسير الأحداث وقياس موازين القوى. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي المتكرر على استحضار اسم نصر الله؛ ليس بوصفه جزءاً من الماضي، بل باعتباره حقيقة سياسية واستراتيجية لا تزال تلقي بثقلها على حاضر المنطقة ومستقبلها.

عباس المعلم - كاتب سياسي