بقلم ( عباس المعلم )
في لحظة إقليمية فائقة الحساسية، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع هشاشة الداخل اللبناني، تتكثّف حسابات السلطة بين ضرورات السيادة وموازين النفوذ. ضمن هذا السياق، لا يمكن قراءة اندفاعة جوزيف عون نحو مقاربة تفاوضية مباشرة مع إسرائيل بمعزل عن شبكة التعقيدات السياسية التي تحكم توازنات الحكم، ولا سيما التنافس الضمني مع رئيس الحكومة نواف سلام وموقعه المتنامي داخل المعادلة الإقليمية.
إنّ جزءاً وازناً من مواقف واندفاعة جوزيف عون باتجاه خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، لا يبدو محكوماً حصراً باعتبارات إنهاء الحرب، أو استكمال انسحاب الاحتلال، أو حتى استعادة الدولة لاحتكارها قرار الحرب والسلم وبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية. بل يتبدّى، في عمقه السياسي، كحركة مضادّة لإعادة التموضع داخل معادلة النفوذ، أقرب إلى “هجوم استراتيجي” يستهدف موازنة صعود نواف سلام وفريقه، واحتواء تمدّد قوى اليمين المسيحي، وفي مقدّمها القوات اللبنانية.
لقد شهدت الأشهر الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حضور نواف سلام ضمن المحور الدولي-الإقليمي، ولا سيما في علاقته مع الولايات المتحدة والسعودية ودول الخليج. هذا التقدّم جعل من سلام، عملياً، رأس حربة في تنفيذ أجندة هذا المحور داخل الساحة اللبنانية، الأمر الذي انعكس زيادة في تأثيره داخل مجلس الوزراء، سواء على مستوى رسم السياسات أو تمرير القرارات. وقد سجّل في أكثر من محطة تجاوزاً واضحاً لمواقف عون، حيث تمكّن من فرض خياراته رغم التحفّظات، ما اضطر عون إلى القبول بها تفادياً لمزيد من التوتير في علاقاته الخارجية.
في المقابل، يعتقد عون أنّه تكبّد خسائر سياسية في علاقته مع واشنطن والرياض، بالتوازي مع صعود نواف سلام كشريك مفضّل. وقد تجلّى ذلك في مؤشرات شبه قطيعة أو برودة دبلوماسية تجاه شخصيات محسوبة عليه، من بينها قائد الجيش رودولف هيكل، فضلاً عن تلميحات عون المتكرّرة إلى ما وصفه بـ”دوائر الوشاية” التي تعمل على تقويض موقعه لدى هذه العواصم.
وعلى الرغم من وجود تقاطعات موضوعية بين عون وسلام، وكذلك مع أطراف لبنانية أخرى، في ما يتصل بملفات حساسة كدور حزب الله وسلاحه، والعلاقة مع إيران، فإنّ هذا التقاطع يبقى محكوماً بتباين عميق في المقاربات والأساليب. فالتمايز في الخطاب والآليات لا يحجب حقيقة الصراع المكتوم على النفوذ، ولا يخفي “الكيمياء السياسية” المفقودة بين الرجلين، والتي يجري احتواؤها مرحلياً بفعل ضغط المرجعيات الخارجية الداعمة لكلّ منهما.
ومن غير المستبعد أن تتظهّر هذه التباينات بشكل أكثر حدّة في المرحلة المقبلة، في ظل ما تحمله من تعقيدات وضغوط داخلية وإقليمية. وفي هذا الإطار، قد يلجأ عون إلى الدفع نحو انتخابات نيابية مبكرة، في حال استقرّ الوضع الأمني، كأداة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية، وربما إزاحة نواف سلام من رئاسة الحكومة. وهو خيار قد يتقاطع، ولو بغايات متباينة، مع قوى متعدّدة، من بينها الثنائي الشيعي، والتيار الوطني الحر، وشخصيات وازنة كـوليد جنبلاط، الذي قد يفضّل الحفاظ على علاقته المتوازنة مع العهد، ومع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وكذلك مع حزب الله، في مواجهة خطاب تصعيدي تتبنّاه قوى أخرى.
ولا تقتصر مصلحة عون في إعادة تشكيل الحكومة على البعد السياسي العام، بل تمتد إلى اعتبارات داخلية، تتعلّق بإعادة ضبط الفريق الوزاري المحسوب عليه، بعد أن أظهر بعض الوزراء ميلاً لمجاراة الإشارات الخارجية على حساب الالتزام برؤية عون وتوجّهاته، ما أضعف تماسك موقعه داخل السلطة التنفيذية.
في المحصّلة، تتجاوز ديناميات الخلاف بين جوزيف عون ونواف سلام إطار التباين التكتيكي، لتلامس جوهر الصراع على تمثيل الشرعية السياسية أمام الخارج، وعلى إعادة تعريف موازين القوة داخل النظام اللبناني. وبين ضغط الاستحقاقات الإقليمية واستحقاقات الداخل، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على إعادة فرز حادّة، قد تعيد رسم خريطة النفوذ في لبنان، وتحدّد، إلى حدّ بعيد، ملامح السلطة التنفيذية واتجاهاتها في السنوات المقبلة.
عباس المعلم - كاتب سياسي