كتب الأستاذ حليم خاتون:
خلال أقل من أربع وعشرين ساعة انقلب المشهد...
عباس عراقتشي في مسقط وإسلام أباد، ثم موسكو...
لم يهدأ وزير خارجية إيران يوما...
في إيران دولة وحكومة ووزراء وليس مجموعة جواكر كما هو حال لبنان، حيث ينام يوسف رجّي ولا يصحى إلا بعد جرس أميركي أو سعودي، أو حتى إسرائيلي... اللهم إلا إذا سمع إسم إيران يُذكر؛ أما جوزيف عون، فحدّث ولا حرج، سباق محموم مع نواف سلام على من هو أكثر انبطاحا أمام أميركا أو السعودية أو إسرائيل...
وزير خارجية إيران عباس عراقتشي لا يترك يوما يمر دون اتصالات مع نظرائه من الجيران والحلفاء وحتى الخصوم لأجل إبقاء ديناميكية الصراع حية قوية!
بعد البهدلة التي حلّت بويتكوف وجاريد كوشنير اللذين ركبا الطائرة إلى إسلام أباد من اجل جولة مفاوضات جديدة مع الإيرانيين ثم عودتهما بخفي حنين، العكس هو ما حصل صباح اليوم ٢٤ نيسان، ذهب عباس عراقتشي إلى إسلام أباد في رحلة ظاهرها مباحثات ثنائية مع كل من الدول الثلاث المذكورة أعلاه، لكن لغة جديدة ظهرت...
خفّت لهجة الأستاذ فيصل عبد الساتر ودخل الرجل في دهاليز الغموض المقصود حول إمكانية وجود مفاوضات قد تؤدي إلى نزول أحدهم، أو كلا أميركا وإيران عن الشجرة...
ليس بعيدا عن الأستاذ فيصل القريب جدا إلى مصادر الثنائي الشيعي في لبنان، استخدم الأستاذ خليل نصرالله القريب أكثر من جدا إلى نفس الثنائي تعابير أكثر وضوحا في آماني الوصول إلى حل أميركي إيراني تخضع له إسرائيل...
مجرد حديث الرجلين إضافة إلى ضيف أميركي على الميادين الذي رجّح وجود نوع من تفاوض بالواسطة بين الأميركيين والإيرانيين يدعوا إلى الحيطة والحذر والخوف من وقوع محور المقاومة في خطيئة جديدة تُسقط الإنجازات العظيمة التي حققها هذا المحور في الجولة الأخيرة بعد انتكاسات كان ثمنها خسارات هائلةسابقا في القدرات والقيادات...
إن أحدا لا يعتقد بتفوق القدرات العسكرية لإيران على أميركا، أو تلك التي لحزب الله على إسرائيل؛ لكن التجارب التي حصلت في العقود الثمانية الأخيرة دلّت على عجز الدول الأقوى والأعظم عن إلحاق الهزيمة بمن يقاتل دفاعا راسخا مستندا على إيمان وعقيدة وأهم ما في الأمر، دفاعا عن وجود وجعرافيا...
هزيمة الإستعمار الغربي ضد الثورة الصينية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني سنة ١٩٤٩؛
عجز تحالف دولي تقوده أميركا عن إلحاق هزيمة حاسمة ضد تحالف صيني كوري شمالي في الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي وبقاء الصراع معلقا منذ تلك الحرب؛
هزيمة أميركا في معركة خليج الخنازير في كوبا في نفس الفترة تقريبا؛
هزيمة فرنسا في الجزائر؛
هزيمة فرنسا ومن بعدها أميركا في فيتنام؛
هزيمة الإتحاد السوفياتي في أفغانستان وهو أحد أسباب إنهيار الدولة السوفياتية الذي تلى؛
هزيمة أميركا في أفغانستان وهروبها المذّل من كابول؛
عجز روسيا في أوكرانيا...
يكفي أن يمتلك الطرف الأضعف تصميما ثوريا وإرادة حديدية ونفسٌ طويل لكي ينتصر...
لهذا رفع حزب الله مع إنطلاق حرب التحرير ضد إسرائيل في الثمانينيات شعار:
ليسوا أقوى من أميركا، ولسنا أضعف من فيتنام...
الغريب ان الأستاذ عبد الساتر والأستاذ نصرالله يعرفان هذا الأمر جيدا، ويعرفان جيدا أن شعوب المقاومة ترفض العودة إلى نفس ستاتيكو كل ما سبق...
هل نرتكب نفس غلطة نظام الأسد في سوريا الذي ظلّ يهادن حتى ذهبت كل قدراته سدى وذهب بشار الأسد إلى مزبلة التاريخ...
الكل يعرف ان اميركا اليوم هي من يخوض الحرب في كل المنطقة من ايران الى لبنان إلى اليمن إلى فلسطين...
أميركا اليوم، يقودها تحالف غير مقدس من المسيحية الصهيونية وطبقة إبشتاين( إبستين)...
يعني من الصعب أن تتخلى أميركا عن كلبها المفضل في المنطقة حتى لو كان هذا على حساب كلابها الآخرين من الدول والمشيخات العربية رغم تفاني الكلاب العربية في خدمة الصهيونية حتى الرمق الأخير وتحديدا الإمارات والبحرين والكويت...
لذلك كل حديث يجري حول محاولة الإمارات بيع سنداتها في أميركا ومحاولة ربط هذا البيع بالميل للتحرر من أميركا وإسرائيل هو ليس أكثر من وهم...
الإمارات تحاول البيع فعلا رغم القيود الأخيرة التي وضعتها الخزانة الأميركية ولكن لا علاقة لهذا بموقف أبناء زايد في العمالة والخيانة تحت يافطة الإبراهيمية...
نفس الأمر ينطبق على السعودية ومحاولة تزيين مواقف إبن سلمان وموفده إلى لبنان يزيد الثاني(إبن فرحان) والشغف الذي أظهره الأستاذ خليل نصرالله باتصالات هذا الوزير بالأخ الأكبر:
من يمد يده إلى العقرب وينتظر القبلات بدل اللدغ يعيدنا إلى نفس الخطايا التي ادّت فيما ادّت إلى انهيار منظومة الردع التي بناها السيد حسن نصرالله بسبب عدم الاستخدام الكفؤ لهذه المنظومة...
لأننا لم نجعل إسرائيل تدفع منذ اليوم الأول ثمن ما ترتكب (صار اللي صار)...
لا إسرائيل سوف تتخلى عن حلم إسرائيل الكبرى ونظرية شعب الله المختار ولا نحن سوف نرضى أن نكون عبيدا من الغوييم...
"منرفض نحنا نموت" كل عشر أو عشرين سنة...
لا مستقبل لهذه المنطقة إلا باستمرار حرب الاستنزاف ضد أميركا حتى الوصول ال تفكيك المشروع الاستعماري في فلسطين سواء قاتل الفلسطينيون كما فعل جيل يحي السنوار وجيل الدكتور وديع حداد وابو حسن سلامة أو هادن وخضع واستسلم كما هم معظم أهل الضفة وفلسطين ال ٤٨...
لا إيران يمكن أن تصبح الركن الرابع كما تنبأ الدكتور Robert Pape، ولا يمكن للعراق أن يصبح دولة مزدهرة غنية غير فاشلة، ولا يمكن لليمن أن يعود قلب حضارة العرب ومركز قوتها، ولا يمكن بناء دولة في سوريا بدون وحوش الإسلام التكفيري السلفي الجاهلي بكل ما في الكلمة من معنى، ولا يمكن بناء دولة ديمقراطية وطنية في لبنان إلا بتفكيك النظام الجاثم على أرض فلسطين والممتد كالأخطبوط في كل الاتجاهات...
على محور المقاومة، وعلى إيران تحديدا وضع صورة إردوغان أمامها لمعرفة أقصى ما يمكن لاميركا القبول به:
أي تكون إيران كلبا شيعيا في خدمة أميركا وإسرائيل كما هي تركيا اردوغان، كلب سنّي في خدمة أميركا بالمطلق ومن ورائها إسرائيل لأن لا حول ولا قوة لمن يسير في طريق المهانة والذل والعمالة...
باختصار؛ بلا لف ودوران:
تعبنا من الحروب لذلك لا بد من الحرب حتى النصر...
نحن شعب ينتصر حين ينتصر،
وينتصر حين يُستشهد!