أصبحت أوراق نعواتنا توضح كم أصبح للميت أقرباء في المهجر
نعم أوراق نعواتنا تفضحنا
قرأت إحدى الأوراق ولمست الهجرة تسري بيننا
لقد بقيت ولم أغادر حلب، ولا ألوم أحداً على مغادرته، فكل إنسان له خياراته، وكل واحد له أسبابه. لكنني اخترت البقاء، لا لشيء سوى أنني أخشى أن أموت في أرض غريبة، حيث لا تعرفني الأرض ولا يعرفني الناس.
في حلب، أنا جزء من المكان. تعرفني شوارعها، وأرصفتها، وكل زقاق فيها يحمل لي ذكرى. لا أستطيع أن أتخيل أن أموت في مدينة لا تُذكّرني بشيء.
شوارع حلب ليست مجرد ممرات، بل هي سجل طويل من اللحظات التي عشتها.
الباعة الذين يمرون يومياً في أزقتها، والمارة الذين يسلّمون عليَّ في كل زاوية، وحتى عمال النظافة فيها يعرفونني.
مزاريب المياه الحجرية في الحارات القديمة تعرفني .. فكم غسلتُ رأسي أيام المطر وأنا طفل .. حتى الحفر المملكة بماء هذا المطر تعر احذيتي التي كنتُ أضحك وأنا أقفز فيها.
كيف لي أن أموت في مدينة لا يوجد فيها من يذكرني؟
كيف لي أن أستطيع العيش في مكان لا تعني لي شوارعه شيئاً؟
صحيح أن هناك مدناً أجمل من حلب، لكن، هل يمكن لأمٍّ أخرى أن تأخذ مكان أمي؟
هل يمكن لمدينة أخرى أن تعني لي ما تعنيه حلب؟ مهما كانت المدينة أجمل أو أكثر تقدماً؟
لا شيء يعادل الانتماء لمكان نشأت فيه، وعاشت فيه طفولتي. حلب ليست مجرد مدينة بالنسبة لي، هي جزء من كياني، مثل الأم التي لا يمكن لأي شيء أن يعوض مكانها في قلبك.
رغم الهجرة التي طالت العديد من أهالي حلب، لم أغادر. لقد اخترت البقاء، لأنه لا يمكنني أن أعيش في مكان لا يحمل ذكرياتي.
لا يمكنني أن أموت في مدينة لا تحتفظ لي بذكريات ولا وجوه أعرفها.
حلب، رغم كل ما مرت به، هي الوطن الذي لا يمكنني تركه.
حلب هي تاريخي
اللهم اشهد بأني بلّغت