في خضمّ الضجيج الإعلامي المتصاعد حول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، تتكشف صورة معقّدة تتجاوز بكثير ثنائية “نصر” و”هزيمة”. فالتقارير التي تحدثت عن ضرب إيران لما يقارب 16 موقعا عسكريا أمريكيا في الشرق الأوسط، وما تبعها من أضرار طالت أنظمة رادار واتصالات باهظة الكلفة، تشير إلى تحول نوعي في طبيعة الردع الإيراني، من الدفاع إلى استهداف البنية التكنولوجية الحساسة للخصم.
لكن، في المقابل، تطرح التصريحات الأمريكية، وعلى رأسها خطاب دونالد ترامب، رواية مغايرة تماما، تتحدث عن “شلّ القدرات الإيرانية”، وتحييد معظم منشآت الصواريخ، بل وتلمّح إلى ما يشبه “تغيير نظام” غير معلن. هذا التناقض الحاد بين الروايتين لا يعكس فقط حربا عسكرية، بل يكشف عن معركة موازية لا تقل خطورة: معركة السرديات.
اللافت أن واشنطن، رغم تأكيدها انتهاء الأعمال القتالية، تستمر في إعادة تموضع قواتها في المنطقة، وتقرّ بأن التهديد الإيراني لا يزال قائما. في الوقت نفسه، تُقدّر تكلفة الحرب بعشرات المليارات، ما يعكس أن المواجهة لم تكن محدودة أو “نظيفة” كما يُراد تصويرها. بل على العكس، يبدو أن إيران نجحت في فرض معادلة “الكلفة مقابل الكلفة”، مستهدفة نقاط الضعف الأمريكية الأكثر حساسية.
اقتصاديا، تتجلى معركة أخرى في مضيق هرمز، حيث تحاول الولايات المتحدة خنق الصادرات النفطية الإيرانية عبر الحصار واحتجاز الناقلات، بينما تلجأ طهران إلى استراتيجيات التفاف معقدة، كالتخزين العائم وإعادة توجيه الشحنات نحو آسيا. مع استمرارها في إغلاق مضيق هرمز وتأثيراته في الإقتصاد العالمي هذه الحرب الاقتصادية لا تقل شراسة عن المواجهة العسكرية، بل قد تكون أكثر تأثيرًا على المدى البعيد.
سياسيًا، تكشف التصريحات الأمريكية عن توتر داخل المعسكر الغربي نفسه، مع انتقادات لحلف “الناتو” واتهامه بالعجز، مقابل مؤشرات على حذر دولي.
في المقابل، يركّز الخطاب الإيراني على “الصمود” و”الجهاد الاقتصادي”، في محاولة لتعزيز الجبهة الداخلية وتحويل الضغط إلى عنصر تعبئة.
في المحصلة، لا يبدو أن أي طرف حقق انتصارًا حاسما. ما نشهده هو توازن هشّ، تُدار فيه المواجهة ضمن حدود متوازنة، حيث يُسمح بالتصعيد دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وبين صواريخ تُطلق وتصريحات تُعلن، تبقى الحقيقة موزعة بين صور الأقمار الصناعية وخطابات السياسيين.
إنها حرب لا تُحسم في الميدان فقط، بل في العقول أيضًا… حيث تصبح الرواية، بحد ذاتها، سلاحا استراتيجيا.