قراءة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان
أخبار وتقارير
قراءة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان "الاقتصاد يهتز... والعالم بلا فرامل... سوريا تؤكل فمتى موعد لبنان؟ بترايوس في بغداد مشروع دايتون جديد؟
19 أيار 2026 , 18:41 م

تاريخ الحلقة: 18.05.2026

في لحظة عالمية شديدة الاضطراب، يبدو العالم العربي واقفًا على حافة مرحلة تاريخية جديدة، لا تشبه ما سبقها من حروب أو أزمات. فالمشهد لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين إيران وأمريكا أو بين المقاومة و"إسرائيل"، بل تحوّل إلى حرب كبرى متعددة المستويات، تمتد من الاقتصاد والطاقة إلى الأمن والسيطرة وإعادة تشكيل خرائط النفوذ والبشر والدول.

ميخائيل عوض يقرأ المشهد من زاوية مختلفة: العالم يدخل زمنًا بلا فرامل، والاقتصاد العالمي يهتز بعنف، فيما تُستخدم الحروب الطويلة كسلاح استراتيجي لإعادة تشكيل النظام الدولي وكسر صعود آسيا، بينما يجري في الظل التحضير لتفكيك دول وإنتاج سلطات جديدة على طريقة “دايتون” الفلسطينية.

*ترامب بعد الصين... هل اكتشف حدود القوة الأمريكية؟*

يعتبر عوض أن التحول الأبرز ظهر في خطاب دونالد ترامب نفسه. فالرجل الذي كان يهدد بلغة نارية، عاد من زيارته إلى الصين بلهجة أقل اندفاعًا وأكثر حسابًا. السؤال هنا: ماذا سمع في بكين؟

بحسب القراءة المطروحة، فإن القيادة الصينية وضعت ترامب أمام حقيقة استراتيجية كبرى:

أمريكا لم تعد القطب المهيمن الوحيد في العالم، والصين لم تعد مجرد منافس اقتصادي، بل قوة تتقدم على الولايات المتحدة في التكنولوجيا والإنتاج والقدرات المالية والبنية الصناعية.

من هنا، يرى عوض أن خطاب التهديد الأمريكي انخفض منسوبه، ليس لأن واشنطن تخلت عن مشروعها، بل لأنها بدأت تدرك أن الدخول في حرب شاملة قد يسرّع انهيار الهيمنة الأمريكية بدل تثبيتها.

*حرب الخليج الطويلة... من يربح الزمن؟*

الحرب الجارية رسخت واقعا جديدا في الخليج، تحرير إيران لمضيق هرمز وفرض شروط العبور والأمن وضرب القواعد الأمريكية في الخليج واعلان أن الهدف إخلاء الخليج من أي تواجد أمريكي يهدد إيران، وتسريب خبر زيارة نتنياهو للإمارات التي حرصت الأخيرة على إنكارها، والحشود الامريكية التي يقال انها تتجه للخليج وفق هذا التصور، لم يعد الخليج أرض معركة خاطفة، بل يتم فيه إدارة زمن الحرب.

وهنا يطرح عوض معادلة أساسية:

الشرق، وخاصة إيران وآسيا، يجيد “حروب النفس الطويل”.

أما الغرب الأمريكي، فمبني على الاقتصاد السريع والنتائج العاجلة، والزمن يعمل ضده.

فتحت أي سيناريو سيكون مستقبل الخليج وقد أصبح حقل النار الذي سيحسم معادلة من تفرض.

لكن المفارقة أن إطالة أمد التوتر بدأت تضرب الاقتصادات الآسيوية أيضًا، وخاصة تلك المرتبطة بالعولمة والأسواق الغربية.

في قراءة عوض، لم تعد الحرب الدائرة في الخليج مجرد مواجهة عسكرية أو اشتباك سياسي محدود بين واشنطن وطهران، بل تحولت إلى أداة كبرى لإعادة هندسة الاقتصاد العالمي وكبح صعود آسيا. فالمعركة الحقيقية، برأيه، ليست فقط على مضيق هرمز أو على النفوذ الإقليمي، بل على مستقبل النظام الاقتصادي الدولي ومن يقوده في العقود المقبلة.

*الاقتصاد الآسيوي تحت النار... الهند وكوريا الجنوبية في دائرة الخطر*

يرى عوض أن الولايات المتحدة، بعدما بدأت تدرك تراجع قدرتها على الاحتفاظ بموقع “القطب الأوحد”، انتقلت إلى استراتيجية مختلفة: إذا تعذر وقف صعود آسيا بالمنافسة الطبيعية، فليُضرب هذا الصعود عبر الفوضى المنظمة، واستنزاف الأسواق، ونشر مناخ عالمي من اللايقين والخوف والتوتر الطويل.

ومن هنا يربط بين استمرار حالة الاستنفار في الخليج وبين الضربات الاقتصادية التي بدأت تظهر تباعًا في الاقتصادات الآسيوية الكبرى، وخاصة الهند وكوريا الجنوبية.

فالهند، التي كانت تُقدَّم خلال السنوات الأخيرة كأحد أعمدة الاقتصاد العالمي البديل عن الصين، بدأت تشعر فعليًا بارتدادات الحرب الطويلة.

الأموال الساخنة بدأت تغادر الأسواق الهندية بوتيرة مقلقة، والاستثمارات الأجنبية أصبحت أكثر حذرًا، فيما اضطرت حكومة ناريندرا مودي إلى اتخاذ إجراءات استثنائية تشبه تلك التي اتُّخذت خلال جائحة كورونا، في إشارة يراها عوض شديدة الخطورة لأنها تعكس خوفًا حقيقيًا داخل الدولة الهندية من اهتزاز اقتصادي واسع.

ويشير إلى أن استنجاد نيودلهي بالدعم الخليجي، وخصوصًا الإماراتي، لم يكن خطوة عادية أو مجرد تعاون اقتصادي عابر، بل محاولة عاجلة لضخ الأوكسجين في شرايين اقتصاد يخشى من موجات اضطراب مالية قادمة. فالهند بالنسبة للمشروع الأمريكي ليست دولة هامشية، بل إحدى الركائز الأساسية لتحالف اقتصادي عالمي يراد له أن يواجه الصين ويمنع تمددها. ولهذا فإن أي اهتزاز كبير في الاقتصاد الهندي يعني اهتزازًا في كامل البنية التي تراهن عليها واشنطن في صراعها المفتوح مع بكين.

أما كوريا الجنوبية، فيراها عوض أكثر هشاشة وخطورة في هذه المرحلة، لأنها تقف على قمة اقتصاد عالي التقنية يعتمد على الصناعات الحساسة والرقائق الإلكترونية والتصدير العالمي. وهنا تصبح الحرب الطويلة، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، عوامل قادرة على إحداث زلزال اقتصادي واجتماعي داخل الدولة الكورية نفسها.

ويعتبر أن ما يجري داخل شركة سامسونغ ليس مجرد أزمة عمالية أو توتر نقابي عابر، بل مؤشر على بداية تصدعات أعمق داخل الاقتصاد الكوري الجنوبي. فحين تصل التوترات إلى قلب الصناعات الإلكترونية والرقائق، فإن ذلك يعني أن إحدى أهم القواعد الصناعية في آسيا بدأت تدخل دائرة الضغط الحقيقي.

بحسب عوض، فإن واشنطن تراهن على أن استمرار التوتر في الخليج وتهديد الملاحة والطاقة سيؤدي تدريجيًا إلى إنهاك الاقتصادات الآسيوية الصاعدة، وإبطاء اندفاعتها الكبرى نحو قيادة الاقتصاد العالمي. فالحرب هنا لا تُخاض فقط بالصواريخ والبوارج، بل بأسعار الطاقة، والتأمين، والشحن، والمال الساخن، وسلاسل التوريد، وثقة الأسواق.

لكن المفارقة التي يشدد عليها عوض، أن هذه اللعبة شديدة الخطورة وقد تنقلب على الجميع. فالعالم اليوم مترابط بصورة غير مسبوقة، وأي زلزال يصيب آسيا لن يبقى محصورًا هناك، بل سيرتد على أوروبا وأمريكا والأسواق العالمية كلها. ولهذا يعتقد أن البشرية دخلت فعلًا مرحلة “العالم بلا فرامل”، حيث تتسارع الأزمات الكبرى دون وجود قوة قادرة على ضبط الإيقاع أو منع الانفجار الشامل.

*الى متى يصمد التنين الصيني ... أوروبا قاب قوسين من عصف الأزمة الاقتصادية والتفكك السياسي يتسارع*

في قراءة عوض، لم تعد أوروبا تقف خارج العاصفة أو تراقب من بعيد ما يجري في الخليج وآسيا والشرق الأوسط، بل بدأت تدخل تدريجيًا وبشكل متسارع قلب الأزمة العالمية، وتدفع أثمان الحرب المفتوحة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. فالقارة التي اعتقدت طويلًا أنها محمية بالمظلة الأمريكية وبقدرتها الاقتصادية الهائلة، تجد نفسها اليوم أمام ارتدادات عنيفة لحرب طويلة تتجاوز قدرتها على الاحتمال.

عوض يرى أن أخطر ما تواجهه أوروبا ليس فقط ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب إمدادات الغاز، بل حالة “اللايقين الشامل” التي تضرب الاقتصاد والأسواق والمجتمعات معًا. فالحروب الطويلة، بحسب منطقه، لا تُسقط الدول بضربة واحدة، بل تستنزفها بالتدريج، عبر إنهاك الطبقات الوسطى، وضرب الاستقرار الاجتماعي، وإشعال الانقسامات الداخلية، حتى تبدأ البنى السياسية التقليدية بالتفكك من الداخل.

ولهذا يلفت إلى أن المؤشرات التي بدأت تظهر في أوروبا ليست تفصيلية أو عابرة. ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء لم يعد مجرد أزمة اقتصادية مؤقتة، بل تحول إلى ضغط يومي على ملايين الأوروبيين. الحكومات تبدو عاجزة عن تقديم حلول حقيقية، والنخب السياسية التقليدية فقدت قدرتها على إقناع شعوبها بأن المستقبل سيكون أفضل، فيما تتصاعد مشاعر الغضب والخوف وفقدان الثقة بالدولة وبالنظام السياسي كله.

ومن هنا يقرأ عوض نتائج الانتخابات الأوروبية الأخيرة، وسقوط أحزاب تقليدية وصعود اليمين المتطرف، بالتوازي مع عودة تيارات يسارية راديكالية، باعتبارها إشارات على بداية تصدع عميق في النموذج الأوروبي نفسه. فحين تبدأ المجتمعات الأوروبية بالانتقال من “سياسة الرفاه” إلى “سياسة الخوف”، فإن ذلك يعني أن القارة تدخل زمن التحولات الكبرى.

الصين تستعد للحصار... وأوروبا على أبواب أزمة طاقة

في مقاربة ميخائيل عوض، لا يمكن فهم ما يجري في الخليج أو في الممرات البحرية الدولية بوصفه مجرد توتر إقليمي عابر، لأن جوهر الصراع الحقيقي يدور حول الطاقة ومن يتحكم بشرايين الاقتصاد العالمي. فالحرب، بحسب رؤيته، لم تعد فقط حرب جيوش وصواريخ، بل حرب إمدادات واحتياطات وممرات بحرية وأسواق ووقت.

عوض يركز هنا على أن أوروبا ليست مهددة فقط بارتفاع أسعار النفط، بل بانهيار توازنات اقتصادية كاملة قائمة على تدفق الطاقة الرخيصة والاستقرار التجاري. فأي اضطراب طويل في إمدادات النفط والغاز سيؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع كلفة الإنتاج والنقل والتدفئة والكهرباء، ما يعني انتقال الأزمة إلى قلب الحياة اليومية للمجتمعات الأوروبية.

ويحذر من أن الأسابيع أو الأشهر المقبلة قد تشهد بداية ظهور مؤشرات أكثر خطورة، خصوصًا في ما يتعلق بوقود الطائرات والنقل البحري والصناعات الثقيلة. فالقارة التي تعتمد على الحركة الاقتصادية المفتوحة والسياحة والتجارة والخدمات، ستجد نفسها أمام اختناقات قد تضرب قطاعات كاملة دفعة واحدة.

ومن هنا يشرح عوض أن أزمة وقود الطائرات ليست تفصيلًا تقنيًا، بل مقدمة محتملة لانهيارات أوسع. فإذا تضررت شركات الطيران، سيتضرر معها قطاع السياحة، ومن خلفه الفنادق والمطاعم والتأمين والأسواق والخدمات، أي سلسلة اقتصادية ضخمة تشكل عصب اقتصادات دول أوروبية عديدة.

ويذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن واشنطن قد لا تكون منزعجة بالكامل من هذا المسار، لأنها تدرك أن أوروبا كلما غرقت أكثر في أزمة الطاقة، ازدادت تبعيتها للولايات المتحدة سواء في الغاز أو الأمن أو الاقتصاد. أي أن الحرب الطويلة قد تتحول إلى أداة لإعادة إخضاع أوروبا وربطها مجددًا بالمركز الأمريكي بعد سنوات من محاولات الاستقلال النسبي.

لكن الخطورة، وفق طرح عوض، أن اللعب بالطاقة في عالم مترابط ومأزوم أصلًا قد يقود إلى انفجار اقتصادي عالمي يصعب ضبطه. فحين تدخل أوروبا في أزمة طاقة حادة، وتتراجع حركة الصناعة والسياحة والنقل، وتتأثر آسيا بدورها بالتوترات والاختناقات، يصبح العالم كله أمام سلسلة ارتدادات قد تعيد تشكيل الاقتصاد الدولي لعقود قادمة.

ومن هنا يلفت إلى الفارق الجوهري بين الصين وأوروبا في طريقة الاستعداد لما يسميه “زمن الحصار الكبير”. فبكين، كما يرى، قرأت مبكرًا طبيعة التحولات الدولية، وفهمت أن الصدام مع الولايات المتحدة لن يبقى محصورًا بالتجارة والتكنولوجيا، بل سيتحول عاجلًا أم آجلًا إلى معركة خنق اقتصادي ومحاولات تطويق للطاقة والتوريد والملاحة.

لهذا السبب، عملت الصين خلال السنوات الماضية بصمت وبعقلية الدولة التي تستعد لحرب طويلة، فبنت احتياطات هائلة من النفط والغاز والمشتقات والمواد الأولية، ووسّعت شبكاتها البرية والبحرية، وربطت اقتصادها بمسارات بديلة تمتد عبر آسيا وروسيا وإفريقيا. عوض يرى أن الصين لم تدخل مرحلة المواجهة وهي غافلة أو مرتجلة، بل دخلتها وهي تدرك أن الغرب سيحاول استخدام سلاح الطاقة والتجويع الاقتصادي لوقف صعودها.

ويعتبر أن امتلاك الصين لمخزون استراتيجي كبير من الطاقة يمنحها قدرة على امتصاص الصدمات في المدى القريب والمتوسط، ويجعلها أكثر قدرة على تحمل التوترات الممتدة في الخليج أو أي تعطيل محتمل للملاحة الدولية. ولهذا يعتقد أن بكين لا تبدو مذعورة أو مستعجلة، لأنها تدرك أن معارك الزمن الطويل غالبًا ما تستنزف خصومها أكثر مما تستنزفها.

لهذا يكرر عوض أن ما يجري ليس أزمة عابرة، بل بداية انتقال العالم إلى مرحلة تاريخية جديدة، حيث تتحول الطاقة إلى سلاح وجودي، ويتحول الاقتصاد نفسه إلى ميدان الحرب الأكبر بين القوى الصاعدة والقوى التي تخشى خسارة هيمنتها على العالم.

*العراق في قلب المشروع الجديد... لماذا عاد ديفيد بترايوس؟*

واحدة من أخطر النقاط التي يطرحها ميخائيل عوض تتعلق بالعراق.

في مقاربة ميخائيل عوض، لا يمكن التعامل مع عودة اسم ديفيد بترايوس الذي يتواجد في العراق منذ أيام باعتبارها حركة دبلوماسية عادية أو زيارة بروتوكولية عابرة، لأن الرجل ـ بحسب توصيفه ـ ليس مجرد جنرال أمريكي متقاعد، بل أحد أبرز العقول التي أدارت مشاريع الهيمنة الأمريكية في المنطقة خلال أخطر مراحلها. فعودة اسم ديفيد بترايوس الذي يتواجد في العراق منذ أيام ليست تفصيلًا عابرًا بالنسبة له، بل مؤشر على بدء مشروع أمريكي جديد لإعادة هندسة السلطة العراقية.

عوض يقارن بين دور بترايوس الحالي وبين تجربة الجنرال الأمريكي كيث دايتون في الضفة الغربية، ومن هنا يطرح السؤال الخطير:

هل يجري إعداد “سلطة دايتون عراقية”؟

أي سلطة وظيفية جديدة تضبط الداخل العراقي وتعيد ربطه بالمشروع الأمريكي في المنطقة.

عوض يعيد التذكير بأن بترايوس كان من الشخصيات المحورية التي أدارت الحرب الأمريكية في العراق، ثم انتقل إلى قيادة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، أي أنه رجل يجمع بين العقل الأمني والعسكري والسياسي، ويملك خبرة عميقة في إدارة المجتمعات المفككة والحروب المركبة وإعادة تشكيل السلطات بما يخدم المصالح الأمريكية طويلة الأمد. وهو الذي أعلن منذ 2019 أن إسرائيل كانت كنزا ثمينا وأصبحت عبئا ثقيلا

ومن هنا يربط عوض بين تحركات بترايوس الحالية وبين تجربة الجنرال الأمريكي كيث دايتون في الضفة الغربية، الذي أشرف على إعادة بناء الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية وتحويلها تدريجيًا إلى بنية وظيفية مرتبطة بالتنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي. لذلك يطرح السؤال الأخطر: هل يجري التحضير لإنتاج “سلطة دايتون عراقية”؟

بحسب هذا التحليل، فإن واشنطن لم تعد تفكر في العراق بالطريقة القديمة نفسها، أي الاحتلال المباشر أو الحروب الكلاسيكية، بل انتقلت إلى نموذج أكثر خطورة وفاعلية يقوم على إعادة هندسة الدولة والمجتمع والقوى الأمنية والسياسية من الداخل، بحيث تتحول السلطة المحلية نفسها إلى أداة لضبط البلد بما يخدم التوازنات الأمريكية والإسرائيلية الجديدة في المنطقة.

ويرى عوض أن العراق بالنسبة للمشروع الأمريكي ليس مجرد دولة نفطية أو ساحة نفوذ عادية، بل عقدة استراتيجية شديدة الحساسية. فهو الجسر الذي يربط إيران بسوريا ولبنان، وهو أحد أهم مفاتيح الطاقة والنقل والتوازن الجغرافي في غرب آسيا. ولهذا فإن السيطرة على العراق أو إعادة تشكيله سياسيًا وأمنيًا تمثل أولوية مركزية في أي مشروع لإعادة ترتيب المنطقة.

ويعتقد أن ما يجري اليوم يتجاوز الصراع التقليدي بين الأحزاب أو القوى العراقية، لأن الهدف الأعمق ـ بحسب رؤيته ـ هو إنتاج سلطة جديدة أكثر التصاقًا بالمشروع الأمريكي، قادرة على ضبط الداخل العراقي، وإعادة توجيه بوصلته الاستراتيجية، وفصل العراق تدريجيًا عن معادلات محور المقاومة والارتباطات الإقليمية التي تشكلت بعد الاحتلال الأمريكي.

ويشير أيضًا إلى أن أخطر ما في هذا النوع من المشاريع أنه يتسلل تحت عناوين “الدولة” و”الاستقرار” و”السيادة” و”إعادة بناء المؤسسات”، بينما يجري في العمق تفكيك مراكز القوة الحقيقية داخل المجتمعات، وإعادة إنتاج أنظمة وظيفية مرتبطة أمنيًا وسياسيًا بالخارج.

وفي قراءة عوض، فإن العراق يقف اليوم عند مفترق خطير جدًا:

إما أن يتحول إلى ساحة لإعادة إنتاج النفوذ الأمريكي بصيغة جديدة أكثر نعومة ودهاء، وإما أن يبقى جزءًا من التحولات الكبرى التي تدفع باتجاه سقوط الهيمنة الأمريكية وصعود توازنات دولية وإقليمية جديدة.

*سوريا ليست تفصيلًا... إنها مركز التوازن القادم*

سوريا ليست تفصيلًا... إنها مركز التوازن القادم

في رؤية ميخائيل عوض، الخطأ الأكبر الذي يرتكبه كثيرون في قراءة ما يجري في المنطقة هو التعامل مع سوريا كدولة مستنزفة خرجت من قلب الصراع، بينما الحقيقة ـ بحسب طرحه ـ أن سوريا ما زالت حتى هذه اللحظة “العقدة المركزية” التي يتوقف عليها شكل الشرق القادم وتوازناته السياسية والعسكرية والاقتصادية. ولهذا فإن كل القوى الكبرى والإقليمية تعود إليها، سواء بشكل مباشر أو عبر مشاريع التفكيك والاحتواء وإعادة التموضع.

عوض يعتبر أن الأمريكيين فهموا متأخرين أن الحرب على سوريا لم تكن مجرد معركة لإسقاط نظام أو تغيير سلطة، بل معركة على موقع جغرافي ـ تاريخي استثنائي يتحكم بمفاصل المنطقة الممتدة من العراق إلى فلسطين وشرق المتوسط. ولهذا السبب، وبرغم كل ما جرى خلال السنوات الماضية، ما زالت سوريا بالنسبة لواشنطن وتل أبيب وأنقرة والقوى الدولية “مفتاح التوازنات المقبلة”.

ومن هنا يربط عوض بين الحراك الأمريكي الجديد في المنطقة وبين التركيز المتزايد على دمشق. فزيارة توماس باراك وتحركات الشخصيات الأمريكية المرتبطة بإعادة هندسة النفوذ في الشرق الأوسط لا تُقرأ، وفق تحليله، بوصفها محاولات دبلوماسية عادية، بل كجزء من مشروع واسع لإعادة الإمساك بسوريا باعتبارها مركز الثقل الحقيقي في المشرق.

ويذهب أبعد من ذلك حين يستعيد البعد التاريخي والجغرافي لفكرة “الشام” أو “العربية الشمالية”، حيث يرى أن المنطقة الممتدة من فلسطين وساحل غزة إلى العراق والهضبة الإيرانية كانت تاريخيًا فضاءً واحدًا مترابطًا، وأن من يسيطر على دمشق عمليًا يمتلك القدرة على التأثير في العراق ولبنان والأردن وفلسطين معًا. ولذلك فإن المعركة على سوريا ليست محلية ولا حتى إقليمية فحسب، بل هي معركة على قلب الشرق كله.

بحسب عوض، فإن ما يجري اليوم هو محاولة أمريكية ـ إسرائيلية لإعادة تشكيل المنطقة بطريقة مختلفة عن النموذج القديم الذي حكم العقود الماضية. لم تعد واشنطن قادرة على فرض هيمنتها عبر الاحتلال المباشر كما فعلت في العراق، لذلك انتقلت إلى مشاريع أكثر تعقيدًا تقوم على تفكيك المجتمعات، وإعادة إنتاج السلطات، والسيطرة على الممرات الحيوية ومراكز القرار، وسوريا تقف في قلب هذا المشروع.

كما يرى أن سوريا تعرضت خلال الحرب الطويلة لمحاولة استنزاف غير مسبوقة هدفت إلى إخراجها من معادلة التأثير التاريخي، لكن فشل إسقاطها الكامل أبقاها عنصرًا حاسمًا في كل ما يجري. ولهذا السبب، فإن أي إعادة ترتيب للمنطقة لا يمكن أن تتم دون المرور بدمشق، سواء عبر الاحتواء أو الضغوط أو محاولات إعادة الهيكلة السياسية والأمنية.

ويربط عوض بين ما يحدث في سوريا وما يحدث في العراق ولبنان، معتبرًا أن هذه الساحات ليست منفصلة كما يتصور البعض، بل تشكل جبهة جغرافية ـ سياسية واحدة. فإذا أُعيد الإمساك بسوريا، يصبح خنق العراق أسهل، ويتضاعف الضغط على لبنان، وتُفتح أبواب إعادة رسم خرائط النفوذ في المشرق كله.

لكن في المقابل، يعتقد عوض أن أهمية سوريا الاستراتيجية نفسها تجعلها عنصر تعطيل كبير لأي مشروع أمريكي أو إسرائيلي كامل. فسوريا، برغم الجراح والانهاك، ما زالت تمثل نقطة وصل بين الشرق الصاعد ومحور المقاومة والتحولات الآسيوية الكبرى، وما زالت تملك موقعًا يجعل السيطرة الكاملة عليها شبه مستحيلة.

ولهذا يصر على أن ما يجري حول سوريا اليوم ليس نهاية دورها، بل بداية مرحلة جديدة تصبح فيها أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالعالم ـ بحسب رؤيته ـ يدخل زمن إعادة رسم المراكز الدولية والإقليمية، وسوريا ليست هامشًا في هذه العملية، بل أحد المراكز التي سيتقرر عندها شكل الشرق القادم كله.

لبنان الهدف الأخطر... “خلية نيويورك” ومشروع التفكيك

في أخطر مقاطع الحلقة، يجدد عوض تحذيره من ما يسميه “خلية التآمر على لبنان” التي تعمل ـ بحسب طرحه ـ على إعداد مشروع لتفكيك لبنان سياسيًا واجتماعيًا وديموغرافيًا.

ويقول إن الهدف لم يعد فقط الضغط على المقاومة أو فرض شروط تفاوضية، بل:

- تفكيك بنية الدولة.

- ضرب الوحدة الوطنية.

- دفع البلاد نحو الفوضى المنظمة.

- فتح الطريق أمام تهجير جماعات سكانية واسعة.

ويربط بين هذا المشروع وبين محاولات نقل لبنان إلى نموذج شبيه بالضفة الغربية، عبر تحويل مفهوم “السيادة” إلى مجرد تنسيق أمني يخدم المصالح الإسرائيلية.

*الحشود البحرية الأوروبية... تدخل عسكري ومشاركة في الحصار؟*

يتوقف عوض عند الحديث عن الحشود البحرية الأوروبية في المتوسط، متسائلًا:

هل هي لحماية لبنان فعلًا؟

أم تمهيد للمشاركة في ترتيبات أمنية جديدة تُفرض بالقوة؟

ويعتبر أن الخطر الحقيقي يكمن في استخدام “الشرعية الرسمية” أو “طلب السلطة” لحكومة أبو عمر كغطاء لأي تدخل خارجي، تمامًا كما جرى في تجارب عربية أخرى.

*“رجال لبنان”... المعركة لم تنتهِ*

في مقابل هذا المشهد، يصر عوض على أن الميدان اللبناني ما زال يحمل عناصر قوة كبيرة.

فهو يتحدث عن:

- استمرار العمليات الأسطورية داخل مناطق يعتقد الاحتلال أنه سيطر عليها.

- كمائن وألغام وضربات نوعية في منطقة ما يسميه الإسرائيلي "الحزام الأصفر"

- عجز إسرائيلي عن إنهاء عمليات المقاومة .

- خوف العدو المتزايد من سلاح الطائرات المسيّرة.

ويعتبر أن ما يجري يثبت أن “إسرائيل” لم تحقق الحسم، بل دخلت مرحلة استنزاف طويلة تهدد بنيتها العسكرية والاقتصادية.

*أزمة الجيش الإسرائيلي... من جيش عقائدي إلى جيش مرتزقة؟*

من النقاط اللافتة أيضًا، حديثه عن الأزمة البنيوية داخل الجيش الإسرائيلي:

- نقص في العديد البشري.

- تراجع الحافز الداخلي.

- استنزاف الذخائر.

- أزمات اقتصادية واجتماعية.

- اتجاه متزايد نحو الاستعانة بالمرتزقة والأجانب حيث يجري الحديث عن تشكيل لواء من المرتزقة .

ويعتبر أن مجرد التفكير في تشكيل وحدات قتالية من المرتزقة يمثل دليلًا على أزمة عميقة في “العمود الفقري” للمؤسسة الإسرائيلية وانتقال بنيوي من عقيدة جيش نظامي إلى جيش مرتزقة متهالك.

*إيران بين التهديد والمبادرة... هل يكفي الصبر؟*

رغم إقراره بأن محور المقاومة حقق صمودًا كبيرًا، ينتقد عوض ما يراه “بطئًا في المبادرة”.

فهو يرى أن:التصريحات وحدها لا تكفي. وأن الحرب ليست فقط دفاعًا وصمودًا.

بل تحتاج إلى توسيع ساحات الاشتباك وفرض أثمان استراتيجية على الخصوم.

ويحذر من أن استمرار الاستنزاف دون مبادرات هجومية فعالة قد يسمح بتمرير مشاريع التفكيك في العراق وسوريا ولبنان. وبالتالي مصادرة مرحلة النصر الأولى التي حققها المحور بقيادة إيران.

*العالم يدخل مرحلة إعادة تشكيل كبرى*

خلاصة رؤية ميخائيل عوض أن العالم يقف أمام تحولات تاريخية هائلة:

- الهيمنة الأمريكية تهتز.

- الاقتصاد العالمي بلا فرامل على منحدر السقوط.

- آسيا تتعرض لمحاولة كسر كبرى.

- أوروبا تدخل زمن الأزمات.

- العالم العربي يُعاد تشكيله بالنار.

- ولبنان يقف أمام أخطر مرحلة في تاريخه الحديث.

لكن، رغم صعوبة المشهد، يصر عوض على أن نتائج الحرب لم تُحسم بعد، وأن موازين القوى ما زالت تسمح بقلب الطاولة إذا وُجدت المبادرة والقرار والقدرة على استثمار التحولات العالمية القادمة.

بتاريخ: 19.05.2026

لمتابعة الحلقة على الرابط

https://youtu.be/JA4ploSIVD0

[١٩‏/٥، ١:٥٦ م] null: لمتابعة الحلقة

https://youtu.be/hng5LPZ2tV8

للاشتراك بصفحة

Maik Awad Awad

https://www.facebook.com/share/1CxMeFFhJz/

للاشتراك بقناة ميخائيل عوض Tik tok:

https://www.tiktok.com/@user32104956938687?_r=1&_t=ZG-95uba5yXgWX

للاشتراك بقناة الأجمل آت واتساب على WhatsApp:

[https://whatsapp.com/channel/0029VbAIMnI9MF99CqCYX52Q]

للاشتراك بقناة تفاعل ميخائيل عوض على تيليغرام:

[https://t.me/mmmawad]

للاشتراك بقناة ميخائيل عوض على يوتيوب:

[https://youtube.com/@maikawad1800]

للاشتراك بقناة الأجمل آت#لبكرة شو على تيليغرام:

https://t.me/h12436