العقوبات الأمريكية على لبنان… مشروع تفجير داخلي مقنّع تحت عنوان “محاربة حزب الله”
مقالات
العقوبات الأمريكية على لبنان… مشروع تفجير داخلي مقنّع تحت عنوان “محاربة حزب الله”
عباس المعلم
21 أيار 2026 , 23:26 م

ما صدر عن الإدارة الأمريكية في حزمة العقوبات الأخيرة تجاه لبنان لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً مالياً أو سياسياً تقليدياً، بل باعتباره انتقالاً أمريكياً واضحاً إلى مرحلة أكثر خطورة تقوم على دفع لبنان نحو مزيد من الانقسام الداخلي والتفكك السياسي والاجتماعي، تحت عنوان الضغط على حزب الله ومحاصرته.

العقوبات التي طالت مواقع نيابية وأمنية وحزبية تحمل رسالة مباشرة وصريحة إلى مجمل القوى اللبنانية، سواء كانت خصماً لحزب الله أو حليفاً له، مفادها أنّ واشنطن لم تعد تقبل بأي مساحة رمادية أو هامش توازن داخلي في لبنان: إما الانخراط الكامل في مشروع الولايات المتحدة وإسرائيل لمحاصرة الحزب وعزله واستهدافه سياسياً ومالياً وأمنياً، وإما الدخول في دائرة العقوبات والعزل والاستهداف.

الأخطر في هذا المسار أنّ واشنطن لم تعد تتعامل مع لبنان كدولة ذات تركيبة حساسة وتوازنات دقيقة، بل كمساحة مفتوحة لإعادة هندسة المشهد السياسي والطائفي بما يخدم أولوياتها الإقليمية. فالولايات المتحدة ذهبت إلى حدود غير مسبوقة في ضرب أسس الصيغة اللبنانية نفسها، سواء على مستوى مؤسسات الدولة أو على مستوى التوازنات الاجتماعية والطائفية الهشة التي قام عليها لبنان منذ عقود.

أما إدراج مكافآت مالية تصل إلى عشرة ملايين دولار لمن يلاحق أو يكشف أو يستهدف البنية المالية لحزب الله، فهو تطور بالغ الخطورة يتجاوز البعد المالي والأمني إلى محاولة خلق بيئة داخلية لبنانية قائمة على التحريض والتفكيك والاستدراج نحو صدامات مفتوحة. فحين تتحول الأموال الأمريكية إلى أدوات تعبئة وتحريض داخل مجتمع منقسم ومأزوم، تصبح المسألة أقرب إلى صناعة فوضى داخلية منظمة، لا إلى مجرد سياسة عقوبات.

هذا النوع من السياسات لا يدفع فقط بعض الجهات أو الشخصيات إلى الانخراط في مشروع الاستهداف، بل يمنح غطاءً سياسياً ومعنوياً وأمنياً لتجاوز كل الخطوط الحمراء في التعامل مع مكوّن لبناني واسع يمتلك امتداداً شعبياً وسياسياً وتنظيمياً عميقاً. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: تحويل الانقسام السياسي إلى صراع وجودي مفتوح داخل البنية اللبنانية نفسها.

في المقابل، يبدو واضحاً أنّ السلطة الحالية في لبنان، بشخصي رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تتعامل مع هذا المسار الأمريكي بقدر كبير من الصمت والتسليم، رغم أنّ هذه السياسات تمسّ جوهر السيادة اللبنانية والصيغة الدستورية والتوازنات الداخلية. فهذه السلطة، التي وصلت إلى الحكم بدعم وغطاء دولي وأمريكي واضح، تبدو أقرب إلى موقع الممرّر أو المسوّق للمطالب الأمريكية، لا إلى موقع المدافع عن خصوصية لبنان وتركيبته الوطنية المعقدة.

الأخطر أنّ العقوبات الأخيرة حملت للمرة الأولى رسائل ضغط مبطنة تجاه المؤسسة العسكرية اللبنانية نفسها، في مؤشر بالغ الحساسية على أنّ واشنطن تريد دفع الجيش اللبناني تدريجياً نحو لعب دور أمني مباشر في مشروع نزع سلاح حزب الله بالقوة أو فرض وقائع ميدانية ضاغطة عليه. وهذا تطور يحمل في طياته مخاطر انفجار داخلي واسع، لأن إدخال الجيش في مواجهة مباشرة مع مكوّن لبناني بهذا الحجم يعني عملياً وضع لبنان أمام أخطر اختبار أمني وطائفي منذ سنوات طويلة.

ما يجري اليوم يتجاوز بكثير إطار “العقوبات” التقليدية. نحن أمام محاولة أمريكية واضحة لإعادة تشكيل لبنان بالقوة السياسية والاقتصادية والأمنية، وربط مستقبله بالكامل بمسار التطبيع والتفاوض المباشر مع إسرائيل، حتى ولو جاء ذلك على حساب استقرار البلد ووحدته الداخلية وصيغته التاريخية.

المشهد لم يعد يحتمل الكثير من التجميل السياسي أو اللغة الدبلوماسية الرمادية. فواشنطن، ومعها إسرائيل، تدفعان بوضوح نحو مرحلة كسر التوازنات الداخلية اللبنانية وإخضاع الدولة ومؤسساتها بالكامل لمنطق المواجهة مع حزب الله. وأي انزلاق في هذا الاتجاه لن يبقى محصوراً في الإطار السياسي أو المالي، بل قد يتحول سريعاً إلى مشروع تفجير داخلي واسع يصعب احتواء تداعياته لاحقاً.

عباس المعلم - كاتب سياسي

الأكثر قراءة مرافعة إبليس على لسان أهل النظام!
مرافعة إبليس على لسان أهل النظام!
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً