السلطة تحتفل بفتات الاستيراد السعودي وتُنكر مليارات الدولارات التي دخلت لبنان ..!؟
مقالات
السلطة تحتفل بفتات الاستيراد السعودي وتُنكر مليارات الدولارات التي دخلت لبنان ..!؟
عباس المعلم
11 حزيران 2026 , 05:27 ص

مشهد احتفالي صاخب، وبيانات رسمية متلاحقة يتصدرها جوزيف عون ونواف سلام، عقب صدور توجيه من محمد بن سلمان باستئناف الاستيراد من لبنان، وكأن البلاد على موعد مع معجزة اقتصادية ستنتشلها من أزماتها المالية والاجتماعية المتراكمة.

والحال أن هذه الخطوة، في أفضل توصيفاتها، تبقى إجراءً تجارياً اعتيادياً لا يرقى إلى مستوى الحدث التاريخي الذي تحاول السلطة تسويقه. فمن غير المتوقع أن تُحدث فارقاً يُعتدّ به في الاقتصاد اللبناني، وربما تقتصر فائدتها المباشرة على عدد محدود من التجار والشركات المستفيدة من إعادة فتح هذا المسار التجاري.

والمفارقة أن لبنان يستورد من السعودية ما يزيد على 500 مليون دولار سنوياً، فيما تبدو التقديرات الواقعية لحجم الصادرات اللبنانية إلى السعودية بعيدة حتى عن بلوغ نصف هذا الرقم، ما يجعل الضجيج السياسي والإعلامي المرافق للقرار أكبر بكثير من وزنه الاقتصادي الفعلي.

لكن ما يلفت الانتباه أكثر من القرار نفسه، هو حجم التهليل الذي رافقه، وكأن السلطة اللبنانية عثرت فجأة على بوابة الخلاص الوطني. وهو مشهد يكشف مقدار الارتهان النفسي والسياسي لأي إشارة خارجية مهما كانت محدودة الأثر، طالما أن مصدرها يأتي من الخليج، حتى بات الاحتفاء ببعض الخطوات التجارية أشبه بعرض ولاء سياسي منه بقراءة اقتصادية رصينة. فالدولة التي تعجز عن تأمين الكهرباء والمياه وفرص العمل لمواطنيها، تتعامل مع قرار استيراد محدود على أنه إنجاز سيادي عابر للحدود يستحق الاحتفالات والتصفيق والخطابات.

وفي ذروة هذا الحماس، خرج نواف سلام عبر إحدى وسائل الإعلام السعودية ليؤكد أن إيران لم تساعد لبنان يوماً. غير أن الوقائع التي تحدثت عنها جهات رسمية وأمنية لبنانية، فضلاً عن تقديرات أمريكية متداولة، تشير إلى أن ما أُنفق داخل لبنان من أواخر عام 2024 وحتى الأشهر الأولى من عام 2026 يناهز ثلاثة مليارات وثمانمئة مليون دولار.

صحيح أن هذه الأموال لم تمر عبر مؤسسات الدولة اللبنانية التي امتنعت منذ عقود عن قبول أي مساعدة إيرانية مباشرة بذريعة الالتزام بالعقوبات الأمريكية، إلا أن الجزء الأكبر منها دخل إلى لبنان عبر قنوات مرتبطة بحزب الله ومؤسساته. فقد خُصصت مبالغ كبيرة لإيواء عشرات الآلاف من المتضررين والنازحين جراء الحرب، ودفع بدلات السكن والتعويضات، وترميم المنازل والمحال والمؤسسات المتضررة، إضافة إلى إعادة بناء القدرات التنظيمية واللوجستية والمؤسساتية التابعة للحزب، وتأمين الرواتب والموازنات التشغيلية لآلاف العاملين والكوادر والهيئات المرتبطة به.

وبغض النظر عن الموقف السياسي من هذه الأموال أو الجهة التي قدمتها، فإن الحقيقة الاقتصادية البحتة تقول إنها صُرفت داخل السوق اللبنانية، وتحوّلت إلى إنفاق استهلاكي وخدماتي واستثماري، وضخت مليارات الدولارات في الدورة المالية، ما ساهم في تنشيط قطاعات واسعة من الاقتصاد، ورفع حجم التداول بالعملة الصعبة، وزيادة مستويات السيولة النقدية التي استفادت منها الأسواق والمصارف والتجار ومختلف القطاعات الاقتصادية بشكل مباشر أو غير مباشر.

ومن المفارقات الساخرة أن السلطة نفسها التي تتعامل مع قرار تجاري سعودي محدود الأثر بوصفه إنجازاً استثنائياً يستحق الاحتفال الرسمي، تتجاهل أو تنكر تدفقات مالية بمليارات الدولارات دخلت البلاد وأسهمت فعلياً في تحريك عجلة الاقتصاد لأنها لا تنسجم مع خياراتها السياسية. وكأن قيمة الأموال لم تعد تُقاس بأثرها الاقتصادي، بل بهوية الجهة التي دفعتها.

المشكلة إذاً ليست في القرار السعودي بحد ذاته، فهو حق سيادي للمملكة ومصلحة مشروعة للبنان، بل في العقلية السياسية التي تتعامل مع فتات الخارج وكأنه فتح اقتصادي مبين، وتستبدل لغة المصالح الوطنية بلغة الاستجداء والامتنان المبالغ فيه. فلو أن حجم الحماسة التي أظهرتها السلطة تجاه استئناف الاستيراد السعودي وُظف في بناء اقتصاد منتج أو استعادة أموال المودعين أو معالجة الانهيار المالي، لكان اللبنانيون اليوم أمام إنجاز حقيقي لا يحتاج إلى كل هذا التصفيق.

أما أن يتحول قرار تجاري عادي إلى مهرجان سياسي وإعلامي مفتوح، فذلك لا يكشف أهمية القرار بقدر ما يكشف حجم الهشاشة السياسية والانبهار المزمن بأي إشارة خارجية، حتى ولو كانت أقل بكثير من حجم الأزمات التي تغرق فيها البلاد. والأخطر من ذلك أنه يعكس ذهنية سلطة لا تزال ترى في رضا الخارج إنجازاً بحد ذاته، فيما تعجز عن إنتاج أي إنجاز وطني مستقل يستحق أن يحتفل به اللبنانيون فعلاً ..

عباس المعلم - كاتب سياسي