بقلم خالد الحديدي / مصر
كنتُ دائمًا أتعجّب من الصين.
كيف يمكن لدولة كانت قبل عقود قليلة فقط غارقة في الفقر والمجاعات والفوضى، أن تتحول إلى هذا العملاق الذي يقف اليوم في مواجهة الغرب اقتصاديًا وتكنولوجيًا؟
كيف استطاعت أن تصبح مصنع العالم، ثم تبدأ بعد ذلك في منافسة العالم نفسه في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والفضاء؟
الحقيقة أن ما فعلته الصين لم يكن مجرد نهضة اقتصادية، بل كان إعادة فهم كاملة لمعنى الدولة، ومعنى السلطة، ومعنى الاقتصاد نفسه.
الصين في البداية كانت دولة شيوعية صلبة، خاصة بعد الثورة التي قادها ماو تسي تونغ عام 1949.
كانت الفكرة تقوم على أن الدولة يجب أن تسيطر على كل شيء، المصانع، الزراعة، الاقتصاد، وحتى تفاصيل الحياة اليومية تقريبًا.
في ذلك الوقت كانت الصين ترى أن الرأسمالية شرّ، وأن السوق الحرّ نوع من الاستغلال، وأن العدالة لا تتحقق إلا إذا أصبحت الدولة هي المالك الأكبر لكل شيء.
لكن ما حدث بعد ذلك كشف مشكلة عميقة جدًا الأفكار وحدها لا تكفي.
فحين يتحول الإنسان إلى مجرد رقم داخل ماكينة أيديولوجية، يفقد الحافز، ويتراجع الإنتاج، وتبدأ الدولة في الاختناق من الداخل.
ثم جاءت الكوارث الكبرى:
المجاعة، والثورة الثقافية، والفوضى التي جعلت الصين تدرك أن العقيدة وحدها لا تبني اقتصادًا.
هنا ظهر الرجل الذي غيّر كل شيء دنغ شياو بينغ هذا الرجل لم يكن يتحدث كثيرًا عن الشعارات، بل عن النتائج.
وكان يرى أن الدولة التي لا تطعم شعبها لن ينقذها أي خطاب ثوري مهما بدا جميلًا.
لذلك قال عبارته الشهيرة:
"لا يهم لون القط، أبيض أم أسود، المهم أن يصطاد الفئران."
وهنا بدأت الصين الجديدة...
الصين لم تتخلَّ عن الشيوعية بالكامل، ولم تتحول إلى رأسمالية كاملة أيضًا، بل فعلت شيئًا شديد الذكاء أبقت الدولة قوية سياسيًا، لكنها سمحت للسوق أن يعمل اقتصاديًا وهنا تكمن عبقرية التجربة الصينية.
فالصين قالت عمليًا يمكن للناس أن تستثمر، وأن تربح، وأن تؤسس شركات،
وأن تتاجر، لكن دون أن تفقد الدولة سيطرتها على الاتجاه العام.
أي أن الصين لم تسمح لرأس المال أن يتحول إلى سلطة أعلى من الدولة.
ولهذا بقي الحزب الشيوعي ممسكًا بالمفاصل الكبرى: الجيش، والبنوك، والطاقة، والبنية التحتية، والقرار السياسي؛ لكن في المقابل فتحت الباب
للتصنيع، والاستثمار، والتكنولوجيا، والتصدير، والمنافسة.
ثم بدأت في إنشاء مناطق اقتصادية خاصة مثل مدينة شنتشن، التي كانت مجرد قرية صغيرة، ثم تحولت إلى واحدة من أكبر مراكز التكنولوجيا والصناعة في العالم.
الصين لم تقفز فجأة، بل جرّبت خطوة خطوة. اختبرت، وعدّلت، وتعلمت من أخطائها وهذا في رأيي أحد أسرار نجاحها الحقيقية، أنها لم تتعامل مع الأيديولوجيا كدين مغلق، بل كأداة يمكن تعديلها وفق مصلحة الدولة.
الصين فهمت شيئًا مهمًا جدًا أن القوة لا تأتي من الكلام عن الحضارة، بل من امتلاك أدوات الحضارة.
ولهذا ركزت على التعليم، والتصنيع،
والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والعمل طويل المدى.
بينما كانت دول كثيرة تستهلك أكثر مما تنتج، كانت الصين تبني المصانع والطرق والموانئ والجامعات.
ولهذا أصبحت (مصنع العالم).
لكن السؤال الذي يشغلني دائمًا هل يمكن لمصر أن تستفيد من هذه التجربة؟
أعتقد نعم… ولكن ليس عن طريق التقليد الأعمى.
مصر ليست الصين، وتاريخها مختلف، وموقعها مختلف، وتركيبتها الاجتماعية مختلفة.
لكن هناك دروسًا عميقة جدًا يمكن أن نتعلمها.
أول هذه الدروس أن الدولة التي لا تنتج، ستظل ضعيفة مهما رفعت من الشعارات.
الصين لم تصبح قوة لأنها تحدثت عن النهضة، بل لأنها صنعت النهضة فعليًا:
في المصنع، وفي الجامعة، وفي الميناء،
وفي التكنولوجيا.
ومصر تمتلك أشياء كثيرة موقع جغرافي استثنائي، وقناة السويس، وسوقًا كبيرًا،
وعدد سكان ضخمًا، وموقعًا يربط إفريقيا وآسيا وأوروبا.
لكن كل هذه الإمكانيات تحتاج إلى مشروع إنتاج حقيقي.
نحن بحاجة إلى أن تتحول فكرة التنمية من مجرد بناء واستهلاك، إلى إنتاج وصناعة ومعرفة.
الصين فهمت أن التعليم ليس شهادة تعلق على الحائط، بل أداة لبناء الاقتصاد، ولهذا ربطت الجامعات بالمصانع، وربطت المعرفة بالإنتاج.
كما أن الصين لم تكن تفكر بعقلية المكسب السريع، بل بعقلية العقود الطويلة وهذا ما نفتقده كثيرًا الاستمرارية.
أي مشروع نهضة يحتاج إلى نفس طويل، وإلى رؤية لا تتغير كل لحظة.
لكن أهم ما يمكن أن نتعلمه من الصين، في رأيي، ليس الاقتصاد فقط، بل طريقة التفكير نفسها.
الصين لم تسأل: كيف نقلد الغرب؟
بل سألت: كيف نصبح أقوياء بطريقتنا نحن؟
وهذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن تسأله أي دولة تريد أن تنهض.
فالنهضة ليست نسخة جاهزة تُستورد، بل تجربة تُبنى من داخل المجتمع نفسه، ومن فهم تاريخه، وأزماته، وقدراته، وطبيعة ناسه.
ولهذا أرى أن أعظم ما فعلته الصين ليس أنها دمجت الاشتراكية بالرأسمالية فقط، بل أنها امتلكت الشجاعة لتعديل أفكارها حين اصطدمت بالواقع، دون أن تفقد هدفها الأكبر بناء دولة قوية قادرة على البقاء والتأثير في العالم.
كاتب و ناقد و باحث / مصر