حكاية
مقالات
حكاية "سيادة" الدم: حين تُشرعن السلطة اللبنانية المجزرة بقرار سياسي.
موسى عباس
29 أيار 2026 , 11:01 ص

كتب : موسى عبّاس

لا تُكتبُ التواريخُ بحبر الدبلوماسية البارد، بل تُحفرُ في ذاكرة الشعوب بندوب التدمير القسري. وفي الوقت الذي تشتعل فيه القرى اللبنانية، وتُسحقُ أجساد المدنيين تحت ركام بيوتهم، لم تعد المسألة خاضعة لتعدُد القراءات أو الترف الفكري؛ فالمشهد اللبناني اليوم بات عارياً من أقنعة "السِيادة" التي تتلفع بها السلطة، لتكشف عن تواطؤ صريح يُديره رئيسا الحكومة والجمهورية، بمعية قوى سياسية جعلت من دماء اللبنانيين وقوداً في بازارات التفاوض الإقليمي.

### الحقيقة كما يراها العالم، لا كما يُسوّقها "القصر"

بينما يغرق اللبنانيون في محاولات فهم "لماذا تطول الحرب؟"، تأتي الإجابات من العواصم الكبرى، لا كتحليلات، بل كإدانة مباشرة. إن المواقف المعلنة لوزراء خارجية فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وتصريحات المسؤولين الأمريكيين، لم تكن مجرد وجهات نظر؛ بل كانت إعلاناً صريحاً عن "جريمة موصوفة" ترفض فيها السلطة اللبنانية طوق النجاة.

لقد سقطت ورقة التوت عن مسؤولي السلطة؛ فالتقارير الدولية والمواقف الأوروبية العلنية تؤكد حقيقة واحدة: **حكومة لبنان الرسمية هي التي أوقفت البند المتعلق بوقف النار**. هؤلاء الذين يتشدقون بمفردات "السيادة" و"عدم قبول الإملاءات"، هم أنفسهم من اختاروا ربط مصير الجنوب وقراه بمفاوضات لا تنتهي في واشنطن، مفضلين استمرار القتل على اتخاذ قرار سيادي بوقف النار، خشيةً من إغضاب قوى إقليمية جعلت من لبنان "كبش فداء" في صراعاتها مع الخارج.

### السلطة اللبنانية: حين يصبح "الانتظار" قراراً بالقتل

إن تحميل السلطة السياسية في لبنان المسؤولية لا ينطلق من فرضيات، بل من قراءة في "أفعال الامتناع" التي مارستها:

1. **تسييس السيادة:** لقد تحولت "السيادة" في قاموسهم إلى أداة بيروقراطية لعرقلة الحلول، تماهياً مع رغبات قوى إقليمية وجدت في "تأجيل" وقف الحرب وسيلة ضغط.

2. **رهن القرار:** عندما تُجمع العواصم الدولية على أن الحكومة اللبنانية كانت "العقبة" التي أوقفت بنداً يتعلق بلبنان، فنحن أمام قرار سياسي متعمد. لقد تخلوا عن دورهم كحماة للوطن ليتحولوا إلى "منفذين" لمصالح إقليمية.

3. **التواطؤ بالصمت:** تشير المعطيات المسربة عن مسؤولين إسرائيليين ووسطاء دوليين إلى وجود شخصيات لبنانية رفيعة المستوى تطلب من العدو الاستمرار في القتال لإضعاف الخصوم في الداخل. إن هذا التنسيق—إن صح—هو أخطر أنواع الخيانة الوطنية؛ إذ يعني أن السلطة قررت استخدام "العدو" كأداة لتصفية حسابات داخلية.

### المحاسبة: لا تسقط بالتقادم ولا تغفرها السياسة

إن هذا التواطؤ ليس "وجهة نظر"، بل جريمة موصوفة تستوجب مساراً حتمياً من المحاسبة:

* **المحاسبة الشعبية:** يجب أن يتحول السخط الشعبي إلى حالة ضغط وطني مستمر، يعزل كل من شارك بقرار أو بصمت في إطالة أمد المجازر. إن الرأي العام قد أدرك أن دماء أهل الجنوب وبيوتهم لم تكن سلعةً للمقايضات.

* **المساءلة القانونية والتاريخية:** لا يجوز أن تمر هذه الحقبة دون "سجل أسود" يُوثق كل تعنت تسبب في استمرار العدوان. إن المحاسبة القانونية تبدأ بتشكيل لجان تحقيق وطنية مستقلة تُخضع كل مسؤول للمساءلة عن قراراتهم التي تجاوزت المصلحة الوطنية.

* **استرداد القرار:** إن المحاسبة الحقيقية تكمن في استعادة الدولة من أيدي من رهنوا قرارها للخارج. المستقبل يتطلب سلطةً تعلن بوضوح: "لا تفاوض إلا لأجل وقف النار، ولا سيادة إلا لأجل حماية المواطن".

إن ما يقوم به الاحتلال من تدمير للقرى ليس نزهة، وما يقوم به المقاومون هو دفاع عن الوجود، أما ما تقوم به السلطة فهو "التواطؤ تحت النار". إن المنابر الوطنية، لا تملك ترف الحياد؛ فالحياد حين يُدمّر الوطن هو انحياز للجلاد. سيوثق التاريخ أن هناك من فضّل كرسيَّه على التدمير والمجازر ، وأن هؤلاء سيلاحقهم العار إلى قبورهم كمسؤولين

عن كل قطرة دم سُفكت بعد أن كان بالإمكان حقنها.