عبد الحميد كناكري خوجة: حين يقام الميزان...يتهاوى عرش الهيمنة والتوسع والطغيان.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: حين يقام الميزان...يتهاوى عرش الهيمنة والتوسع والطغيان.


”بين ميزان العدالة وموازين الهيمنة...حين تتحول الثروات إلى وقود للاستتباع لا لبناء الوطن."

في لحظات التحول التاريخي الكبرى، لا يعود ”الميزان" مجرد استعارة أخلاقية، بل يصبح معيارا فلسفيا لقياس علاقة القوة بالعدالة والسلطة المشروعة. فالأمم لا تختبر بما ترفعه من شعارات، بل بما تترجمه من توازنات تحفظ الإنسان أو تهدره. وعند هذا الحد الفاصل، تتكشف البنى السياسية التي تتغذى على اختلال الموازين، حيث تستبدل العدالة بمنطق النفوذ، وتعاد صيغة الحقائق وفق إيقاع المصالح لا مقتضيات الحق.

في المشهد الدولي المعاصر، تتداخل شبكات النفوذ بين قوى كبرى تمارس هيمنة إستراتيجية واقتصادية، وبين أطراف إقليمية وضعت في موقع التابع ضمن منظومات أمنية معقدة. وفي هذا السياق، تعاد صياغة مفهوم ”الخطر" بوصفه أداة سياسية مرنة، تضخم حينا وتخفف حينا آخر، وفق ما يخدم استمرار تدفق الموارد وإعادة توزيعها خارج مسارات التنمية الداخلية.

تستنزف ثروات ضخمة في عقود تسليح وتحالفات أمنية طويلة المدى، تحت عناوين ”الحماية" و”الاستقرار" بذريعة خطر دولة جوارية. في حين كان يمكن لهذه الترليونات من الدولارات أن تتحول إلى بنية إنتاجية داخل المجتمعات الإسلامية، تنشئ جامعات مشافي تخصصية، مراكز بحوث، مصانع ضخمة، مزارع ومشاريع اقتصادية تستوعب طاقات الشباب بدل دفعها نحو الهجرة أو التعطل. وبدل أن تقدم هذه الأرقام الفلكية لحكومات دول استكبارية شعارها الابتزاز.

وفي قلب هذا التوتر الجيوسياسي، برزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها أحد عناصر إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي، وقد جرى تضخيم حضورها في بعض الخطابات الدولية بشكل مفبرك لتأطيرها ضمن صورة ”التهديد الدائم"، بما يتيح تبرير سياسات ردع وتحالفات ممتدة. غير أن هذا التوصيف لا ينفصل عن واقع أكثر تعقيدا، حيث ارتبطت مواقفها المعلنة بدعم قضايا تعتبر جزءا من منظومة مقاومة الهيمنة، ماجعلها في نظر أطراف وشعوب عديدة لاعبا إقليميا في معادلة صراع الإرادات لا مجرد عنصر خارجها.

لقد حولت قوى الهيمنة ” الجمهورية الإسلامية الإيرانية" إلى شماعة سياسية تعلق عليها صفقات السلاح ومشاريع الابتزاز، زارعين الخوف لبعض أصحاب العروش، لتبقى الثروات متدفقة نحو خزائن دول المحور الإبستيني بدل بناء الإنسان والعمران والقضاء على حالة الفقر المنتشرة في الدول العربية والإسلامية. وهكذا صار التهويل صناعة جيوسياسية، يدار بها القلق، وتستنزف بها خيرات المسلمين في الأرض تحت شعار الحماية والاستقرار.

وفي المقابل، تستمر آثار هذا التشابك في ساحات متعددة من الإقليم، حيث تدفع شعوب في فلسطين المحتلة ولبنان واليمن وغيرها كلفة توازنات تتجاوز حدودها المباشرة، ضمن نظام دولي لا يقوم دائما على العدالة بل يتخذها شعارا براقا لتحقيق مآربه في الهيمنة والسطو على مقدرات الدول والشعوب المقهورة. بقدر ما يقوم على إدارة المصالح وتوازن الردع. يقوم على سياسة القطب الأحادي.

حين يقام الميزان في مستواه التاريخي العميق، لا يبقى للإستثناءات السياسية قدرة على إخفاء حقيقة المعادلات. فكل بنية تستند إلى اختلال دائم بين القوة وإحقاق الحق تحمل في داخلها عناصر تفككها، مهما طال زمن استقرارها الظاهري. ومع تراكم اللحظة التاريخية، يتبين أن ما يبنى على غير أساس التوازن البشري الإنساني لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وأن عروش الظلم، مهما تعاظمت، تظل معلقة على هشاشة المعادلة، تنتظر لحظة استقامة الميزان لتتهاوى بصمت التاريخ لا بضجيج السياسة. وفي هذا السياق، تتأكد ضرورة وحدة الدول الإسلامية وتضامنها، والتي دعا إليها الشهيد آية الله علي خامنئي”ق" مرارا وتكرارا.

وإحياء روح العدالة والحق، والتنبه لمخططات الدول الطامعة التي تسعى لتفكيك الصفوف واستنزاف الثروات وإدامة الهيمنة بحجة الحماية من خطر مفبرك مزعوم. وبكلمة أخيرة: إن بعض القوى العروشية التي تفرط بميزان العدالة، قد تربح جولة النفوذ زمنا، لكنها تخسر معركة التاريخ حتما؛ إذ لا خلود لقوة تبنى على الخوف، ولا دوام لهيمنة تؤسس على استنزاف الإنسان وثرواته وكرامته.

كاتب دمشقي حر.