في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تستعد لتوسيع عدوانها على لبنان، وربما نقل المعركة إلى قلب بيروت، بدا أن قرار الحرب لم يعد في يد تل أبيب وحدها. فخلف الدخان المتصاعد من الجنوب، تدور معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الإرادات بين نتنياهو وترامب، وبين إسرائيل وحزب الله، وبين من يسعى إلى توسيع الحرب ومن يحاول احتواءها قبل أن تتحول إلى انفجار إقليمي شامل.
خلال الأسابيع الأخيرة، حاولت إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض عبر توسيع نطاق سيطرتها في الجنوب اللبناني، في خطوة تهدف إلى امتلاك أوراق تفاوضية إضافية قبل أي تسوية محتملة. فتل أبيب تدرك أن أي اتفاق قادم سيتناول حتماً ملف الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ولذلك تسعى إلى التفاوض انطلاقاً من واقع ميداني جديد، وليس فقط من خطوط ما قبل الحرب.
لكن حسابات الميدان لم تجرِ بالكامل كما أرادت إسرائيل. فحزب الله، رغم الخسائر والضغوط الكبيرة، نجح في فرض معادلة جديدة عنوانها الطائرات المسيّرة من نوع FPV. وقد تحولت هذه المسيّرات إلى هاجس أمني يومي داخل إسرائيل، مع قدرتها المتزايدة على تجاوز أنظمة الرصد والدفاع والوصول إلى أهداف حساسة، ما تسبب بإرباك واضح للمؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وأعاد القلق إلى مستوطنات الشمال.
وفي لحظة بدا فيها أن التصعيد يتجه نحو استهداف واسع للضاحية الجنوبية لبيروت، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الخط بشكل مباشر. فقد أعلن أنه أجرى اتصالاً مع بنيامين نتنياهو، مؤكداً أن أي طائرات كانت متجهة نحو بيروت قد أُعيدت، وأن تفاهمات جرى التوصل إليها لمنع التصعيد. في المقابل، ذهبت تسريبات أميركية وإسرائيلية أبعد من ذلك، متحدثة عن غضب أميركي من نتنياهو بسبب خطوات كادت أن تُعرّض مسار التفاوض مع إيران للخطر.
وتزداد أهمية هذه التطورات مع تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران يشمل جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وأن أي خرق في أي ساحة سيُعتبر خرقاً للاتفاق بأكمله. وهو ما يعكس حجم الترابط بين الجبهة اللبنانية والمفاوضات الإقليمية الأوسع.
كما برز موقف إيراني أكثر حدة على لسان قائد مقر خاتم الأنبياء، الذي حذّر من أن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت قد يقابله رد يشمل إخلاء مناطق في شمال إسرائيل، في رسالة تعكس مستوى التصعيد في قواعد الاشتباك.
في المقابل، تتحرك عواصم عربية عدة، وفي مقدمتها السعودية ومصر وقطر، لمنع انزلاق لبنان نحو حرب مفتوحة قد تغيّر وجه المنطقة بأسرها. فهذه الدول لا ترغب في منح إسرائيل تفوقاً كاسحاً يتيح لها فرض شروطها على لبنان وسوريا وربما الإقليم.
اليوم، تبدو الصورة أكثر وضوحاً إسرائيل تسعى لفرض خرائط جديدة بالقوة، وحزب الله يحاول تثبيت معادلات ردع جديدة عبر المسيّرات والصواريخ، بينما تمسك واشنطن بخيوط اللعبة الكبرى. وبين هذه القوى المتشابكة، يقف لبنان مجدداً على خط الزلازل السياسية والعسكرية التي تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط، فيما يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام بداية نهاية الحرب، أم أمام هدنة مؤقتة تسبق جولة أكثر خطورة؟