اكتشاف زابوتيكي يعيد كتابة تاريخ رصد القمر في أمريكا القديمة
منوعات
اكتشاف زابوتيكي يعيد كتابة تاريخ رصد القمر في أمريكا القديمة
6 حزيران 2026 , 16:13 م

كشف باحثون عن تفسير جديد لأحد أكثر الرموز الغامضة في حضارة الزابوتيك القديمة، ما أدى إلى اكتشاف أقدم دليل معروف حتى الآن على تتبع مراحل القمر في أمريكا الوسطى. وتشير النتائج إلى أن سكان مونتي ألبان كانوا يسجلون عمر القمر المرئي قبل أكثر من 2200 عام، أي قبل أقدم السجلات القمرية المعروفة لدى المايا بنحو 857 عاما.

حل لغز استمر قرابة قرن

اكتشاف أقدم سجل معروف لمراقبة القمر في أمريكا قبل حضارة المايا بقرون

تفسير نقش زابوتيكي ( مصدر الصورة: Freepik )

تمكن الباحثان جون جاستيسون من جامعة ألباني وجاستن باتريك لوري من جامعة ولاية نيويورك في بلاتسبورغ من فك شفرة الرمز المعروف باسم "الغليف W"، والذي ظل لغزا أثريًا منذ اكتشافه لأول مرة عام 1928.

وأثبتت الدراسة أن هذا الرمز كان يُستخدم لحساب عدد الليالي منذ ظهور الهلال الأول بعد المحاق، ما يمنح علماء الآثار فهمًا جديدًا لطبيعة المعرفة الفلكية لدى الزابوتيك في العصور القديمة.

أقدم سجل قمري معروف في أمريكا الوسطى

أظهرت النتائج أن عددًا من النقوش الحجرية المكتشفة في موقع مونتي ألبان الأثري تعود إلى الفترة الممتدة بين عامي 496 و221 قبل الميلاد.

وبذلك تصبح هذه النقوش أقدم الشواهد المكتوبة المعروفة المتعلقة برصد القمر في أمريكا الوسطى، متقدمة على أقدم السجلات القمرية الموثقة لدى حضارة المايا بما يقرب من تسعة قرون.

إعادة تفسير الرمز الغامض

كان عالم الآثار المكسيكي ألفونسو كاسو أول من حدد وجود الغليف W عام 1928، إلا أن معناه ظل مجهولا لعقود طويلة.

وفي السابق، افترض بعض الباحثين أن الرمز مرتبط بالتقويم الديني المؤلف من 260 يوما أو بالتقويم السنوي المكون من 365 يوما، لكن الدراسة الجديدة وجدت أن هذه التفسيرات لا تتوافق مع البيانات المتاحة.

تحليل النقوش يكشف الحقيقة

استند الباحثون إلى دراسة نقوش محفوظة بالكامل تحتوي على ثلاثة عناصر رئيسية، وهي:

تاريخ وفق التقويم الطقسي المؤلف من 260 يوما.

اسم السنة ضمن دورة زمنية تمتد 52 عاما.

الغليف W متبوعا بقيمة رقمية مكتوبة باستخدام النقاط والخطوط.

وعند مقارنة الفترات الزمنية بين النقوش المختلفة، لاحظ العلماء أن الأرقام المرتبطة بالغليف W ترتفع وتنخفض وفق دورة زمنية تقترب من 29.53 يوما، وهو متوسط طول الشهر القمري.

وبناءً على ذلك، استنتج الباحثون أن الرمز W-1 كان يشير إلى أول مساء يظهر فيه الهلال بعد المحاق، بينما كانت الأرقام التالية تمثل الليالي اللاحقة من الدورة القمرية.

نظام إضافي إلى جانب التقويمات التقليدية

أوضحت الدراسة أن الزابوتيك لم يعتمدوا تقويما قمريا مستقلا بالمعنى الحديث، بل أضافوا نظاما ثالثا إلى جانب تقويمهم الديني وتقويمهم السنوي.

وسمح هذا النظام بربط الأحداث الدينية والسياسية بالدورات المرئية للقمر، ما يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم الزمني والفلكي في المجتمع الزابوتيكي.

دلالة تاريخية مهمة

تعد حضارة الزابوتيك من أقدم الحضارات التي طورت نظما للكتابة في الأمريكتين. ولم تكن نقوشها مجرد زخارف حجرية، بل كانت تسجل أسماء الحكام والتواريخ والألقاب والانتصارات العسكرية والطقوس الدينية والأحداث السياسية.

وتدعم القراءة الجديدة للغليف W فرضية أن كتبة مونتي ألبان استخدموا نظامًا متطورًا لتوثيق الأحداث التاريخية والفلكية قبل فترة طويلة من ازدهار مدن المايا الكلاسيكية.

إعادة تقييم تاريخ علم الفلك في المنطقة

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن الدراسات التاريخية غالبًا ما تنسب الريادة في علوم الفلك بأمريكا الوسطى إلى حضارة المايا.

لكن الأدلة الجديدة تشير إلى أن المعرفة الفلكية المتقدمة كانت موجودة لدى شعوب أخرى في المنطقة قبل ذلك بقرون، ما يوسع فهم الباحثين لتاريخ العلوم في أمريكا القديمة ويؤكد تنوع مراكز الابتكار الحضاري في المنطقة.

موعد بداية اليوم لدى الزابوتيك

كشفت الدراسة أيضًا جانبًا مهمًا يتعلق بطريقة احتساب الزمن لدى الزابوتيك. وتشير المصادر الاستعمارية من القرن السادس عشر إلى أن يومهم كان يبدأ تقريبا عند منتصف النهار.

وتدعم البيانات الفلكية الجديدة هذه الفرضية، حيث أظهرت أن التغيرات المسجلة في النقوش تتوافق مع نظام يبدأ فيه اليوم قبل ظهور الهلال المسائي بساعات، وهو ما يفسر بدقة طريقة تسجيل الأرقام المرتبطة بالدورة القمرية.

كما تشير الأدلة إلى أن هذا النظام كان مستخدمًا منذ أواخر القرن الثالث قبل الميلاد، وربما ارتبط بطقوس دينية مهمة، من بينها احتفال يُعرف باسم "عودة رسول السنة"، والذي يُعتقد أنه أُقيم خلال ساعات ما بعد الظهر نحو عام 222 قبل الميلاد.

المصدر: منصة Naука Mail الروسية