د . مهدي مبارك عبد الله
في لحظة سياسية مشحونة تعيد فيها سلطات الاحتلال الإسرائيلي فتح ملف الأذان في القدس ومناطق الداخل الفلسطيني عبر مشروع قانون جديد يهدف إلى تقييد أو منع رفعه باستخدام مكبرات الصوت وقد يتجاوز النقاش في جوهره مسألة تقنية أو تنظيمية كما يحاول مطبخ التشريع الإسرائيلي تقديمه إلى العالم بل ينزلق إلى مستوى أعمق يمس البنية الدينية والرمزية للوجود الفلسطيني والإسلامي في الأرض المحتلة
ما أقرته مؤخرا اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون التشريع من مشروع قانون يقوده تيار اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية لا يمكن فصله عن سياق طويل من محاولات تقليص الحضور الديني الإسلامي في الفضاء العام في القدس ومناطق 1948 حيث يتم تقديم الأذان باعتباره ضوضاء تحتاج إلى ضبط إداري بينما هو في الوعي الديني والتاريخي شعيرة من الشعائر المركزية التي ترتبط بحق الوجود والعبادة والهوية
الطرح الصهيوني الاقصائي يقوم على فرض نظام تصاريح مسبقة لاستخدام مكبرات الصوت في المساجد بحيث يصبح رفع الأذان مشروطا بموافقة أمنية وإدارية مرتبطة بمستوى الصوت وموقع المسجد وقربه من المناطق السكنية وهو ما يعني عمليا تحويل المسجد من فضاء حر للعبادة إلى مؤسسة خاضعة للرقابة المستمرة والتقدير الأمني والبلدي بما يفتح الباب أمام تدخل مباشر في تفاصيل الشعيرة ذاتها
المشروع في مواده التفصيلية يمنح صلاحيات واسعة للشرطة تشمل وقف الأذان فورا ومصادرة مكبرات الصوت وفرض غرامات مالية مرتفعة على إدارات المساجد في حال المخالفة وهو ما ينقل القضية من إطار تنظيمي إلى أداة ضغط وعقاب قد تستخدم بشكل انتقائي وانتقامي في بيئة سياسية وأمنية شديدة الحساسية والتوتر
الخطوة المطروحة برمتها تأتي في ظل خطاب سياسي عنصري فاقع يتبناه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وبعض رموز اليمين المتطرف الذين يصرون على توصيف الأذان كإزعاج صوتي يؤثر على ما يسمونه جودة الحياة ومستوى الراحة والهدوء في حين يراه الفلسطينيون وممثلوهم الدينيون اعتداء مباشرا على حرية العبادة ومحاولة فاضحة لفرض واقع جديد على هوية الاماكن المقدس في القدس وغيرها من المدن الفلسطينية
القادة الدينيون الفلسطينيون حذروا مرارا من خطورة هذا التوجه مؤكدين أن استهداف الأذان لا يمكن عزله عن سلسلة طويلة من الإجراءات التي طالت المساجد في القدس والنقب والجليل ومدن الساحل سواء عبر الاقتحامات أو مصادرة المعدات أو تقييد وعرقلة الوصول إلى أماكن العبادة بما يعكس اتجاها ممنهجا لتقييد الحضور الديني الإسلامي في المجال العام العربي
في المقابل يؤكد الخطاب الفلسطيني أن الأذان ليس مجرد صوت يرفع من مئذنة بل هو إعلان يومي لاستمرار الوجود الديني والثقافي في أرض تتعرض فيها الهوية والوجود لمحاولات استهداف وإعادة تشكيل قسرية وأن المساس به سوف يفتح الباب أمام صراع أوسع حول طبيعة القدس ومكانتها بوصفها مدينة متعددة الديانات لكنها تخضع في الواقع لسياسات أحادية تفرض قيودا على حرية العبادة للمسلمين
المخاطرة والخطورة في مشروع القانون لا تكمن فقط في بنوده التقنية بل في دلالاته السياسية حيث يعيد تعريف العلاقة بين الدولة القائمة بالاحتلال والمجتمع الفلسطيني بوصفها علاقة ضبط وإخضاع للشعائر وليس إدارة تنوع ديني وهو ما يثير مخاوف من انتقال هذه السياسات من مستوى التشريع إلى التطبيق الميداني بما قد ينعكس على حياة المصلين والأئمة بشكل مباشر
بالتتبع والتحليل نجد ان الجدل الدائر حول الأذان في فلسطين المحتلة يتجاوز كونه خلافا قانونيا إلى كونه مؤشرا على اتجاه أعمق نحو إعادة صياغة الفضاء الديني في القدس بما يهدد أحد أبرز رموز الهوية الإسلامية في المدينة ويضع حرية العبادة أمام اختبار جديد في ظل تصاعد سياسات اليمين الإسرائيلي المتشدد حيث يبقى الأذان في هذا السياق ليس مجرد نداء للصلاة بل عنوانا لصراع طويل على الوجود والهوية والحق في المدينة التي لم تغب عنها أصوات المآذن رغم كل محاولات التقييد والإسكات
ما يتوجب الاشارة اليه وفهمه بصورة اوضح ان مشروع قانون تقييد الأذان لم يكن وليد اللحظة بل يعود في جذوره إلى سلسلة طويلة من المحاولات التي طُرحت داخل الكنيست الإسرائيلي خلال السنوات الماضية حيث سُجلت أكثر من محاولة تشريعية منذ عام 2011 تحت مسميات مختلفة كان أبرزها قانون المؤذن تارة بذريعة الازعاج والضوضاء وتارة تحت عنوان تنظيم الاستخدام الصوتي وقد أعيد طرح هذه المشاريع في أعوام لاحقة داخل اللجان الوزارية والبرلمانية الاسرائيلية دون أن تنجح في التحول إلى قانون نافذ بشكل كامل إلا أنها بقيت حاضرة كأداة ضغط متجددة بالتوازي مع إجراءات ميدانية تمثلت في حملات تفتيش ومصادرة مكبرات صوت وفرض غرامات إضافة إلى توظيف القوانين البلدية وقوانين البيئة في محاولات متكررة لتقييد رفع الأذان في القدس ومناطق الداخل الفلسطيني
ربما نلحظ في جوهر هذا الجدل كيف يبرز البعد العقدي والروحي للأذان باعتباره جزءاً أصيلاً من الإيمان الإسلامي لا مجرد طقس صوتي أو ممارسة شكلية حيث يرتبط في الوعي الديني بوصفه إعلاناً يومياً للتوحيد وركناً من رمزية العبادة ومن هذا المنطلق يُنظر إلى استهدافه على أنه لا ينفصل عن استهداف أوسع لحرية المعتقد وممارسات الشريعة حيث يشير هذا المسار من السياسات والإجراءات إلى محاولة لإعادة تشكيل علاقة المواطنين العرب والمسلمين بدينهم ومجالهم العام بما يمسّ حقهم الطبيعي في ممارسة شعائرهم دون قيود أو وصاية
الاهم في العمق ان هذه السياسات تكشف عن نمط أوسع من التعامل مع الوجود الفلسطيني في الداخل والقدس يقوم على إدارة الحياة اليومية عبر أدوات قانونية وأمنية متدرجة تبدأ من التضييق الإداري ولا تنتهي عند حدود العقوبة والردع والقضية هنا لم تعد تتعلق فقط بصوت يرتفع من مئذنة بل بمحاولة مستمرة لإعادة تعريف المجال العام نفسه بحيث يصبح حضور الرموز الدينية والثقافية الفلسطينية حضوراً مشروطاً ومقيداً ومراقباً وهو ما يعكس توجهاً سياسياً عنصريا أعمق يسعى إلى تقليص مساحة التعبير الديني والهوية الجمعية في الفضاء الفلسطيني المحتل
ختاما : إن تكرار محاولات منع الأذان أو تقييده على الرغم من تصاعدها التشريعي والإداري لن تنجح في تغيير الواقع الديني والتاريخي المتجذر للمسلمين في هذه البلاد ورغم كل ذلك يبقى الأذان جزءاً اصيلا من هوية المكان وذاكرة الأرض وممارسة مرتبطة عضويا بإيمان راسخ لا يمكن زعزعته او عزله عن وجدان الناس أو مصادرته بالقوانين وستظل هذه الشعيرة حاضرة في كل تفاصيل الحياة اليومية للمسلمين وتعبيراً متجذرا عن تمسك الفلسطينيين بحقهم في الدفاع عن ارضهم ووجودهم وممارسة عباداتهم وإصرارهم في الحفاظ على حضورهم الديني والثقافي رغم كل محاولات المنع والتضييق والإقصاء
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية