عبد الحميد كناكري خوجة: طهران، حين يواصل النبض مسيرته...مدينة لا تطفئ الحرب أنوارها.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: طهران، حين يواصل النبض مسيرته...مدينة لا تطفئ الحرب أنوارها.

”بين هدير الأنفاق وهمس المقاهي، تبدو العاصمة الإيرانية كصفحة مفتوحة على الحياة، حيث يستمر الإيقاع اليومي، وتبقى المدينة قادرة على استقبال عابريها بابتسامة لا تحتاج إلى كثير شرح."

حين يصبح استمرار الحياة خبزها اليومي. حين يحضر القلم، يحضر معه البيان؛ وحين يلتقي الفكر بالبلاغة، يولد نص جدير أن يقرأ لا أن يمر عليه مرور الكرام. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى طهران بعيدا عن ضجيج العناوين الكبرى، ومحاولة قراءة المشهد من تفاصليه الصغيرة: محطة مترو، حافلة تعبر الشارع، مطعم يستقبل رواده، أو مقهى يزدحم بحديث المساء. وبحسب شهادات متداولة لزوار وصلوا إلى العاصمة، فقد ظل قطار الأنفاق وحركة الحافلات يعملان خلال الفترة التي أعقبت اندلاع الحرب العدوانية ليلا نهارا على هذا البلد المترامي الأطراف، فيما واصلت مظاهر الحياة العامة في عدد من الأحياء والمرافق حضورها بصورة طبيعية نسبيا. وتظهر في المشهد وجوه تتنقل، وأخرى تتجاذب أطراف الحديث، و عائلات تقصد المطاعم، وشباب يتوقفون أمام متاجر المثلجات، في صورة تبدو للعين أقرب إلى إصرار الحياة على المضي في وتيرتها.

المدينة التي تمشي على إيقاعها.

لا تعني هذه المشاهد أن المواجهة المفروضة لم تترك آثارها، ولا أن كل مناطق البلاد تعيش الظروف ذاتها؛ لكنها تقدم زاوية أخرى لفهم قدرة المجتمع على استعادة يومه، والمحافظة على الخدمات الأساسية، وعدم السماح للاضطراب بأن يتحول إلى نمط حياة دائم.

وهنا تكمن مفارقة تستحق التأمل: فبينما ينسج الصراع لغة من الخرائط والأهداف والأرقام، تصنع المدن لغتها الخاصة من البشر. المترو شريان، والحافلة نبض، والمطعم ذاكرة، والمقهى فسحة، والشارع كتاب مفتوح تقرأ فيه المدينة نفسها. ومن يزور عاصمة السجاد والزعفران والصناعات الأصيلة لا يجدها وحدها؛ فهناك أصفهان بعماراتها التي تبدو كأن الحجر فيها تعلم من الشعر، وشيراز التي تتنفس من حدائقها عبق التاريخ، ويزد بما تختزنه من ملامح معمارية وروحانية، وتبريز بثرائها الثقافي، إلى جانب قرى ومناطق طبيعية تمنح الجغرافيا الإيرانية تنوعا قل أن يجتمع في لوحة واحدة. أما المطاعم والمرافق السياحية، فتقدم بدورها صورة عن مجتمع يعرف أن الضيافة ليست مجرد عبارة ترحيب، بل سلوك يومي يتجسد في الخدمة، والإرشاد، وحسن المعاملة، ومحاولة جعل الزائر يشعر بأنه ضيف لا غريب.

قد تختلف النظرة إلى السياسات والحروب، لكن المدن لا تختصر دائما في مواقف حكوماتها؛ فالمدينة كائن أوسع من السياسة، والإنسان فيها أبلغ من العناوين. ولذلك فإن استمرار الحياة في طهران، وفق ما ينقله بعض الزائرين والشهود، ليست دعوة إلى تجاهل وطأة المواجهة، وإنما مؤشر جدير بالقراءة على قدرة المجتمع على الصمود والمحافظة على مساحات الحياة اليومية.

وربما لهذا السبب تحديدا تستحق هذه الجغرافيا أن ترى بعين المسافر، لا من خلال نافذة الأخبار وحدها؛ فبعض البلدان لا تكشف أسرارها في العناوين، وإنما في شارع ينبض بالنور، وقطار يصل في موعده، وطبق يقدم بابتسامة، ومدينة تواصل السير، مهما اشتد عصف الريح.

وهكذا حين نعود إلى العنوان، ندرك أن عاصمة الحضارة الفارسية حين يواصل النبض مسيرته، لا تكون مجرد مدينة تعبرها القطارات وتستضيء شوارعها بالمصابيح. بل مشهدا إنسانيا تتجاوز فيه صرامة الواقع مع نعومة الحياة؛ فبينما تعصف المحن من حولها، يبقى في قلبها متسع بخطوة مسافر، وابتسامة مضيف، ونزهة عابر، وفنجان قهوة، وطبق يقدم بحفاوة، وكأن المدينة تقول بهدوء لا يحتاج إلى منبر: إن الحياة قد تتعثر، لكنها لا تسلم مفاتيحها للريح؛ وإن المدن العظيمة لا تقاس فقط بما تواجهه، وإنما بما تستطيع أن تبقيه حيا في وجدان أهلها. لذلك، فليست بصورة مصقولة بتجميل الواقع، ولا لوحة معزولة عن عواصفه، وإنما صفحة أخرى من سيرة بلد واسع شاسع تتعاقب عليه الأزمات، فيما يظل نبضه حاضرا يبحث عن طريقه ويمضي. وفي المحصلة، لا تقاس المدن بما يحيق بها، بل بما تصونه في أعماقها حين تبتذل الأزمنة. وطهران، في هذه اللوحة الفسيفسائية، ليست جغرافيا تتلقى الحدث، بل وجدان يحرس ذاكرته، ومجتمع يصون اتزانه، وملامح يومية تأبى أن تنحني لطارئ عابر. فالأحداث قد تثقل المكان، لكنها لا تملك مفاتيح روحه؛ وقد تهز ملامحه، دون أن تستأصل جذوره. وهنا يتجلى معنى العنوان: طهران حين يواصل النبض مسيرته، لا تعلن انتصارها بالكلام، بل تثبته بالبقاء؛ فالأصل لا تكسره المحنة، وإنما تكشف معدنه.

كاتب دمشقي حر في الغربة.