خيبة الحماية
مقالات
خيبة الحماية" تقرير البنتاغون: كيف سقطت المظلة الأمريكية في الخليج بعد الحرب على إيران.
موسى عباس
21 أيلول 2026 , 21:58 م

كتب: موسى عبّاس

وضعت الحرب الأمريكية الأخيرة مع إيران، والتي أُطلق عليها اسم عملية "الغضب الملحمي"، الولايات المتحدة أمام مرآة الحقيقة العارية. فبعد أشهر من الخطابات الرنانة الصادرة من البيت الأبيض حول "النصر الحاسم" و"المخزونات العسكرية غير المحدودة"، جاء تقرير المفتش العام لوزارة الدفاع (البنتاغون) ليصدم الشارع الأمريكي والكونغرس بأرقام وحقائق لا تقبل التأويل. ولم تكن الصحافة الأمريكية كقناة (CBS News) وصحف مثل (The Washington Post) و(Politico) مجرد ناقل للأرقام، بل تحولت تحليلات كبار كتّابها إلى لائحة اتهام صريحة تدين الرئيس دونالد ترامب، وتحمله المسؤولية المباشرة عن فشل استراتيجي غير مسبوق.

—فخ الاندفاع الأعمى خلف أجندة نتنياهو:

تشير القراءات السياسية في واشنطن إلى أن هذه الحرب لم تكن خياراً تمليه مصالح الأمن القومي الأمريكي العليا، بقدر ما كانت استجابة لضغوط هائلة وانصياعاً كاملاً للرؤية التي طالما دفع بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

فقد جادل المحللون بأن ترامب، وتحت تأثير الرغبة في إرضاء حليفه الأقرب وتفكيك الإرث الدبلوماسي لخصومه السياسيين، اندفع نحو مواجهة عسكرية مفتوحة مع طهران دون امتلاك خطة واضحة لـ "اليوم التالي". هذا الاندفاع حقق لنتنياهو غايته القديمة بجّر الجيش الأمريكي إلى حرب مباشرة مع إيران، لكنه ترك الولايات المتحدة وحيدة تتحمل الكلفة الباهظة بشرياً ومادياً، وسط جمود سياسي كامل اعترف به التقرير الحكومي نفسه.

—أرقام تعرّي الأكاذيب: الفشل المالي والعسكري:

أبرزت المقالات الأمريكية التناقض الصارخ بين ادعاءات ترامب والواقع العملياتي على الأرض:

- استنزاف الخزينة والمخزون:

بينما كان ترامب يطمئن الأمريكيين بامتلاك "ذخائر فاخرة لا تنفد"، كشف التقرير أن الحرب التهمت 33.4 مليار دولار في أشهر قليلة، ذهب منها 22.3 مليار دولار للذخائر وحدها، مما تسبب في "نقص استراتيجي حاد واختناقات" في خطوط الإنتاج العسكري سيتطلب علاجها 3 سنوات على الأقل.

- تبخر الردع وتدمير القواعد:

بدلاً من إركاع طهران، أظهرت التقارير الصحفية حجم الرد الإيراني الصادم الذي أسفر عن تدمير أو تضرر مئات المباني والمنشآت العسكرية والدبلوماسية الأمريكية في ثماني دول عربية

- نزيف سلاح الجو: تجلى الفشل العسكري في خسارة أصول جوية استراتيجية لا تُعوض بسهولة، شملت إسقاط وتحطيم 30 طائرة مسيّرة من طراز Reaper (MQ-9) حتى تاريخ إعداد تقرير المفتش العام 14/09/2026 فضلاً عن طائرة شبح من الجيل الخامس F-35، و12 طائرة تزويد بالوقود.

—الوهم الكبير: قواعد عسكرية دفعت شعوبها الثمن وفشلت في حماية نفسها.

في قلب المشهد الكارثي الذي رسمه تقرير البنتاغون، برزت حقيقة مؤلمة أخرى تتعلق بالبنية التحتية العسكرية الأمريكية المنتشرة في الإقليم؛ إذ سقط الوهم الذي طالما تسوقه دوائر صنع القرار في واشنطن حول "المظلة الأمنية". لقد أثبتت الضربات الصاروخية والمسيّرة أن القواعد العسكرية الأمريكية الضخمة في الدول العربية — والتي وُجدت أساساً بحجة حماية تلك الدول وتوفير الأمن الاقليمي — لم تستطع حماية نفسها أصلاً، فضلاً عن توفير الردع لحلفائها.

لقد تحولت تلك القواعد، رغم مئات المليارات من الدولارات التي أُنفقت على إنشائها وتطويرها وتأمينها من أموال دافعي الضرائب في الخليج وعموم المنطقة، إلى أهداف رخوة ومكشوفة، عجزت المنظومات الدفاعية فيها عن منع الاستهداف، لتتحمل الدول العربية المضيفة وزر صراعات عبثية لم تختارها، وتكتشف متأخرة أن تكلفة الارتهان للسياسات الأمريكية هي الخراب الميداني والتهديد الوجودي المستمر.

— ارتدادات إقليمية: المفارقة اليمنية وسقوط رهانات التحالف.

وفي خضم الانشغال الأمريكي بالتداعيات العسكرية الثقيلة للمواجهة، تجلت مفارقة صارخة أخرى على الجبهة اليمنية؛ حيث كشفت الكواليس السياسية عن رفض إدارة ترامب القاطع لطلب الرياض المشاركة المباشرة في العمليات ضد "أنصار الله"، متخوفة من اتساع رقعة النزاع وانكشاف المصالح الحيوية أكثر. هذا الموقف الأمريكي "الخذلان لحلفائه" تزامن مع تحولات ميدانية دراماتيكية موثقة على الأرض اليمنية، تمكن فيها "أنصار الله" من تحرير مساحات واسعة وإحكام قبضتهم الاستراتيجية وصولاً إلى الإشراف الفعلي على مضيق باب المندب الحيوي وممر التجارة الدولية، والذي كانت تسيطر عليه السعودية عبر قوات ما يُسمى "الحكومة الشرعية" في عدن. لقد أثبت هذا المخاض الواقعي أن عجز الحليف الأمريكي انعكس تلقائياً على تهاوي الأوراق التقليدية للرياض، لتدفع السعودية ثمن التورط والاعتماد على وعود واشنطن الوهمية.

— محاولة الهروب إلى الأمام:

لم تتوقف إدانة الصحافة لترامب عند حدود إشعال الحرب، بل امتدت لتشمل طريقة تعامله مع تداعياتها. فبدلاً من مراجعة الحسابات أو تقديم كشف حساب صادق للشعب الأمريكي، توظف إدارة ترامب هذه الأرقام الكارثية للضغط على الكونغرس لانتزاع ميزانيات دفاعية أضخم لإنقاذ المقاولين العسكريين، وهو ما وصفه كتّاب رأي بأنه محاولة "لجعل دافع الضرائب الأمريكي يدفع ثمن سوء التقدير السياسي للرئيس".

خلاصة القول:

إن تقرير المفتش العام لم يكن مجرد جردة حساب مالية، بل وثيقة تاريخية تدين حقبة من القرارات الارتجالية. لقد أثبتت التجربة أن الانصياع الأعمى لأجندة نتنياهو الإقليمية قد كلّف الولايات المتحدة هيبتها العسكرية، واستنزف ترسانتها الاستراتيجية، وترك قواعدها في المنطقة تحت رحمة الضربات المضادة، كاشفاً زيف منظومات "الحماية" ومتبوعاً بانكشاف استراتيجي مدوٍ في اليمن وخارجه، لتبقى هذه الحرب نموذجاً صارخاً لكيف يمكن للغرور السياسي أن يقود القوة الأعظم في العالم إلى فخ الفشل المستدام.