انتخابات أكتوبر تُدخِل الكيان الصهيوني في الشلل وتفتح أبواب المواجهة في المنطقة
مقالات
انتخابات أكتوبر تُدخِل الكيان الصهيوني في الشلل وتفتح أبواب المواجهة في المنطقة
موسى عباس
30 تشرين الأول 2026 , 05:44 ص


كتب موسى عبّاس

قراءة في النتائج

يخوض الكيان مخاضاً سياسياً واستراتيجياً عسيراً عقب انتخابات الكنيست المبكرة في 28 أكتوبر، أول انتخابات منذ السابع من أكتوبر 2023. كشفت النتائج ، عن انسداد هائل في شرايين النظام السياسي، عنوانه في كل الصحف العبرية اليوم: لا أحد يملك أغلبية.

واقع النتائج: توازن رعب

حسب بيانات لجنة الانتخابات المركزية التي نقلتها القناة 13 ويديعوت أحرونوت:

معسكر نتنياهو: 53 مقعداً

معسكر المعارضة بقيادة آيزنكوت: 48 مقعداً

الأحزاب العربية: 19 مقعداً في رقم قياسي تاريخي.

هآرتس كتبت اليوم في تحديثها المباشر جملة واحدة تلخص المشهد: "التوازن لم يتغير"، وعنونت افتتاحيتها: "المعارضة يجب أن تشكل حكومة مع الأحزاب العربية" لتصل إلى 67 مقعداً. لكن القناة 13 أوضحت المعضلة: الرئيس قد يكلف آيزنكوت أولاً بناءً على عدد التوصيات، غير أن آيزنكوت نفسه يرفع شعار "حكومة صهيونية" ويرفض الائتلاف المباشر مع العرب. وهو ما لخصته الصحافة العبرية بعبارة: "لا حكومة بدون العرب، ولا حكومة مع العرب".

وفرز المظاريف المزدوجة بعد ظهر اليوم أكد الميل الواضح لأصوات الجنود نحو اليمين، حيث تصدر الليكود النتائج الجزئية، لكن هيئة البث أكدت ثبات خريطة الكتل وعدم طرأ أي تحول جوهري على موازين القوى.

بيضة القبان العربية: البراغماتية مقابل الخطوط الحمراء

سجل الشارع العربي نسبة مشاركة غير مسبوقة رداً على حملة التحريض التي وصفتها هآرتس بأنها "الأكثر عنصرية في تاريخ الانتخابات".

الموحدة: بقيادة منصور عباس، تتبنى نهجاً براغماتياً ومستعدة لدخول الائتلاف مقابل إلغاء قوانين تمييزية وتوسيع مسطحات البناء.

المشتركة: تتمسك برفض الانضمام لأي حكومة صهيونية، لكنها تبدي استعداداً لمنح "شبكة أمان من الخارج" لشرط واحد: إسقاط نتنياهو وبن غفير.

وهنا التناقض البنيوي: آيزنكوت يحتاج أصوات العرب حسابياً، لكنه يعلن أنه لن يجلس معهم سياسياً، مما يجعل صيغة حكومة أقلية بدعم خارجي هي الصيغة الوحيدة الممكنة، وهي صيغة هشة يرفضها بينيت وليبرمان حتى الآن، حيث صرح ليبرمان اليوم "لن أجلس لا مع بيبي ولا مع طيبي".

مستقبل نتنياهو واليمين المتطرف: بين المحكمة والسجن

عنونت هآرتس مقالاً تحليلياً اليوم: "كيف تساعد النتائج نتنياهو على تجنب المحاسبة على السابع من أكتوبر". وخلاصته أن الشلل السياسي هو أفضل هدية لنتنياهو. فبقاؤه كرئيس حكومة تصريف أعمال يعني تأجيل محاكماته بتهم الفساد وتعطيل لجنة التحقيق الرسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر.

خروج نتنياهو من الحكم يعني تفعيل المحاكمة، وهو ما قد يقوده للسجن فعلياً حسب تقديرات القناة 12. لذلك يتمسك بحلفائه المتطرفين الذين يملكون مقاعد حاسمة كطوق نجاة وحيد.

وهنا يبرز التعليق الدولي اللافت: صحيفة الغارديان البريطانية كتبت اليوم أن "بقاء نتنياهو يخدم الرواية الفلسطينية دولياً، لأنه يحافظ على صورة الكيان ككيان متطرف ومعزول أمام محكمة الجنايات الدولية". بينما مجيء جنرال بلباس وسط مثل آيزنكوت قد يبيض وجه الاحتلال ويعيد له الشرعية الغربية لمواصلة نفس الحرب.

دور دول التطبيع: بين الدعاية والواقع

أثارت زيارة نتنياهو للإمارات قبل أسبوع من الانتخابات وتوقيع اتفاقيات أمنية جديدة مع المغرب تساؤلات في الصحافة العربية. لكن الواقع القانوني أن القانون المفروض داخل الكيان يفرض رقابة صارمة جداً على تمويل الحملات، ولا يوجد حتى الآن أي دليل منشور في الصحافة العبرية الرسمية على تمويل خارجي مباشر لشراء أصوات. ما يُستخدم هو دعم سياسي غير مباشر عبر تظهير نتنياهو كـ "رجل دولة عالمي" مهندس اتفاقيات أبراهام، وهو ما يستخدمه كدعاية انتخابية داخلية.

الحرب على لبنان وإيران: قرار مؤسسي لا يتغير بتغير الاسم

هذا هو الإجماع الوحيد في تل أبيب حسب يديعوت أحرونوت وتايمز أوف: أياً كان رئيس الحكومة المقبل، التصعيد محتوم.

آيزنكوت، كرئيس أركان أسبق، تعهد بمواصلة ترتيب الشريط الحدودي في جنوب لبنان وتوجيه ضربات استراتيجية للبنية الإيرانية، ونتنياهو يريد الحرب ليبقى في السلطة.

الدعم الأمريكي مضمون في الحالتين. موقع أكسيوس الأمريكي نقل اليوم عن مسؤولين أن واشنطن ستواصل تزويد الكيان بالذخيرة وتقديم غطاء سياسي تحت ذريعة "إنهاء الخطر الإيراني"، مع رفع مستوى التنسيق البحري تحسباً لتصعيد واسع.

التداعيات الميدانية على الأرض: كيف يترجم الشلل السياسي عسكرياً؟

خلاصة الاتجاه الميداني: شلل السلطة التنفيذية في تل أبيب لن يُحدث جموداً أمنياً، بل سينقل المبادرة الميدانية إلى المؤسسة العسكرية ويدفع نحو تصعيد حذر ولكن متواصل:

على الجبهة اللبنانية:

فرض واقع بالنار: استمرار استراتيجية استهداف البنية التحتية لمنع حزب الله من تثبيت معادلات جديدة خلال فترة تصريف الأعمال.

انسداد التسويات: شلل القيادة السياسية يمنع توقيع أي تفاهمات سياسية أو أمنية مستدامة، مما يُبقي الجنوب اللبناني في حالة "حرب نزيف واستنزاف" مفتوحة.

على الجبهة الإقليمية (إيران ومحور المقاومة):

الهروب للخارج: يملك نتنياهو دافعاً لإبقاء خطر المواجهة مع إيران وممراتها في سوريا والعراق حاراً، لتعطيل استحقاقات محاكمته والمطالبة بحكومة طوارئ.

إمساك العسكر بالمبادرة: في ظل الانسداد السياسي، ستتولى القيادة العسكرية رسم سقف العمليات الميدانية، مغطاةً بانتشار ودعم دفاعي وبحري أمريكي مستمر لضمان عدم استغلال الخصوم للفجوة السياسية.

خلاصة المشهد

يستقر الكيان بعد انتخابات أكتوبر على حافة انسداد سياسي هائل. حسابياً، المعارضة تملك 67 مقعداً مع العرب، لكن سياسياً لا تستطيع تشكيل حكومة. ونتنياهو يملك 53 مقعداً ويحتاج منشقين، لكنه لا يستطيع شراءهم.

بقاء نتنياهو يعني هروباً من السجن وإبقاء الكيان منبوذاً عالمياً، وخروجه يعني مجيء جنرال قد يلمع نفس الاحتلال بثوب جديد. وفي غضون هذا الشلل الداخلي، تظل بوصلة المؤسسة العسكرية موجهة نحو التصعيد الإقليمي المفتوح، مما ينذر بمرحلة إعادة تشكيل للمنطقة برمتها عبر النار.

فهل يخدم بقاء نتنياهو بوجهه المعزول دولياً القضية أكثر من مجيء من يلمع وجه الحرب بنفس الحرب؟

Compose:

New Message