اكتشف فريق دولي من العلماء نظاما بيئيا بحريا استثنائيا في أعماق جنوب المحيط الأطلسي قبالة سواحل الأرجنتين، يضم أكبر شعاب مرجانية معروفة حتى الآن من نوع Bathelia candida النادر، وتمتد على مساحة تقدر بنحو 0.4 كيلومتر مربع، وهي مساحة تقارب حجم الفاتيكان.
ويُعد هذا الاكتشاف من أبرز النتائج التي توصلت إليها بعثة استكشافية حديثة نفذها معهد شميدت للمحيطات خلال عمليات مسح لأعماق المحيط في المنطقة.
نظام بيئي مزدهر في ظلام دائم
تقع الشعاب المرجانية المكتشفة في أعماق سحيقة لا يصل إليها ضوء الشمس، حيث تسود درجات حرارة منخفضة وضغوط هائلة.
ورغم هذه الظروف القاسية، وثق الباحثون وجود نظام بيئي غني ومتعدد الأنواع يضم:
سرطانات بحرية متنوعة.
نجوم بحر هشة ومتفرعة.
قناديل بحر نادرة.
أخطبوطات وأسماك أعماق البحار.
تجمعات كثيفة من الشعاب المرجانية الباردة.
وقال علماء مشاركون في البعثة إن المشاهد التي رُصدت تُعد من أكثر البيئات البحرية العميقة حيوية وثراءً التي جرى توثيقها حتى الآن.
شعاب مرجانية تعيش بلا ضوء الشمس
تختلف الشعاب المرجانية العميقة عن نظيراتها الموجودة في المياه الضحلة.
فبينما تعتمد الشعاب الاستوائية على الطحالب التي تقوم بعملية التمثيل الضوئي للحصول على الطاقة، تعيش شعاب الأعماق في ظلام كامل دون الحاجة إلى ضوء الشمس.
وتعتمد هذه الكائنات على التقاط الجزيئات العضوية الدقيقة المعروفة باسم "الثلج البحري"، وهي مواد عضوية تهبط تدريجيًا من الطبقات السطحية للمحيط إلى الأعماق.
اكتشاف جاء بالصدفة
كان العلماء على متن سفينة الأبحاث Falkor (too) يبحثون أساسًا عن ما يعرف بـ"التسربات الباردة" في قاع البحر، وهي مناطق تتسرب منها غازات ومواد كيميائية من باطن الأرض إلى المياه المحيطة.
وخلال استخدام المركبة الآلية SuBastian لاستكشاف القاع، فوجئ الفريق بوجود هذا النظام المرجاني الضخم الذي يعج بالحياة البحرية.
علاقة محتملة بين الشعاب والتسربات الباردة
رصد الباحثون أيضًا منطقة تسرب بارد نشطة بالقرب من الشعاب المرجانية المكتشفة.
وضمت هذه المنطقة تجمعات كبيرة من المحار الذي يعتمد على التخليق الكيميائي للحصول على الطاقة بدلا من ضوء الشمس.
ولا يزال العلماء يدرسون ما إذا كانت هناك علاقة بيئية مباشرة بين الشعاب المرجانية العميقة وهذه التسربات الكيميائية، إذ لا تزال هذه التفاعلات غير مفهومة بشكل كامل.
اكتشاف أول "سقوط حوت" عميق في المياه الأرجنتينية
لم يكن النظام المرجاني الاكتشاف الوحيد خلال الرحلة.
فقد تمكن الفريق كذلك من توثيق ما يعرف بظاهرة "سقوط الحوت"، وهي بقايا هيكل عظمي لحوت استقر في قاع المحيط على عمق يقارب 3890 مترًا.
وتوفر هذه البقايا مصدرا غذائيا وموطنا لمجموعة واسعة من الكائنات البحرية والميكروبات لسنوات أو حتى عقود.
ويُعد هذا أول تسجيل معروف لسقوط حوت في المياه العميقة التابعة للأرجنتين.
ظهور أحد أندر قناديل البحر في العالم
وثقت البعثة أيضا ظهور قنديل البحر العملاق الشبحي Stygiomedusa gigantea، الذي يُعد من أكبر وأندر قناديل البحر المعروفة.
وقد يصل طول هذا الكائن إلى أكثر من 10 أمتار، إلا أن مشاهدته نادرة للغاية بسبب عيشه في أعماق المحيط، حيث لم يتم تسجيل سوى عدد محدود جدًا من المشاهدات حول العالم.
أنواع جديدة قد تكون غير معروفة للعلم
خلال عمليات المسح التي شملت نحو 900 كيلومتر من قاع المحيط، جمع العلماء عينات من العديد من الموائل المرجانية المختلفة.
ويعتقد الباحثون أن 28 نوعا من الكائنات التي جرى جمعها قد تكون أنواعا جديدة لم تُوصف علميا من قبل.
ولا تزال هذه العينات قيد الدراسة والتحليل، ما يعني أن أعماق جنوب المحيط الأطلسي قد تخفي مزيدا من الاكتشافات المهمة في المستقبل.
أهمية الاكتشاف
يسلط هذا الاكتشاف الضوء على التنوع البيولوجي الهائل الذي لا يزال مخفيًا في أعماق المحيطات، وهي مناطق لم يُستكشف سوى جزء صغير منها حتى اليوم.
كما يؤكد أهمية مواصلة البعثات العلمية البحرية لفهم النظم البيئية العميقة ودورها في الحفاظ على التوازن البيئي العالمي، خاصة في ظل التغيرات المناخية والضغوط المتزايدة على البيئات البحرية.