أظهرت أبحاث حديثة أن التعرض المنتظم للروائح العطرية، حتى أثناء النوم، يساعد في تحسين الذاكرة وتعزيز وظائف الدماغ واستعادة حاسة الشم لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعفها أو فقدانها.
ويُعد فقدان حاسة الشم، المعروف طبيا باسم الأنوسميا (Anosmia)، من المشكلات الصحية الشائعة التي تؤثر على ملايين الأشخاص حول العالم، وقد تنجم عن التهابات الجهاز التنفسي أو التهاب الجيوب الأنفية أو الإصابة بفيروس كوفيد-19 أو إصابات الرأس أو بعض الأمراض العصبية التنكسية.
فقدان الشم وتأثيره على جودة الحياة

لا يقتصر تأثير فقدان الشم على صعوبة تمييز الروائح فقط، بل يمتد إلى جوانب متعددة من الحياة اليومية.
فالأشخاص المصابون بهذه الحالة قد يواجهون:
انخفاض جودة الحياة.
القلق والعزلة الاجتماعية.
فقدان الشهية أو تغير العادات الغذائية.
صعوبة اكتشاف الروائح الخطرة مثل الدخان أو تسرب الغاز.
تحديات مهنية في بعض الوظائف المرتبطة بالشم، مثل الطهاة وصناع العطور ومتذوقي المشروبات.
العلاج التقليدي يتطلب أشهرا من التدريب
يعتمد العلاج الشائع لفقدان الشم على ما يُعرف بـ"التدريب الشمي"، والذي يتطلب استنشاق مجموعة من الروائح المختلفة مرتين يوميا لمدة تتراوح بين 30 و40 ثانية لكل رائحة.
وعادة ما يستمر البرنامج العلاجي لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وهو ما يدفع بعض المرضى إلى التوقف عن الالتزام به قبل ظهور النتائج.
تحفيز الدماغ بالروائح أثناء النوم
اقترح الباحثون نهجا أبسط يعتمد على تعريض الدماغ للروائح بشكل سلبي، بما في ذلك خلال ساعات النوم.
ويستند هذا التوجه إلى العلاقة المباشرة بين حاسة الشم والجهاز الحوفي في الدماغ، وهو الجزء المسؤول عن تنظيم الذاكرة والعواطف.
وتتميز الروائح بقدرتها الفريدة على تنشيط مناطق دماغية مرتبطة بتخزين الذكريات واسترجاعها، وهو ما جعل العلماء يدرسون تأثيرها المحتمل على الأداء المعرفي.
تحسن ملحوظ في الذاكرة
في إحدى الدراسات التي شملت أشخاصا أصحاء تتراوح أعمارهم بين 60 و85 عاما، تعرض المشاركون لروائح مختلفة بشكل منتظم خلال فترة امتدت إلى ستة أشهر.
وأظهرت النتائج:
تحسن الذاكرة اللفظية بنسبة بلغت 226% مقارنة بالمجموعة الضابطة.
زيادة في حجم الحزمة الخطافية اليسرى (Left Uncinate Fasciculus)، وهي مسار عصبي يربط مناطق مسؤولة عن الذاكرة والتعلم.
مؤشرات على حدوث تغيرات هيكلية إيجابية داخل الدماغ.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تشير إلى فوائد طويلة الأمد، رغم الحاجة إلى دراسات أوسع لتأكيدها.
فوائد محتملة لجودة النوم
أظهرت دراسات أخرى أن بعض الروائح العطرية قد تساعد على تحسين جودة النوم، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من الأرق.
ومن أبرز الروائح التي ارتبطت بنتائج إيجابية:
اللافندر (الخزامى).
قشور البرتقال.
الورد.
وسجلت الأبحاث عدة فوائد محتملة، منها:
تحسن التقييم الذاتي لجودة النوم.
انخفاض عدد مرات الاستيقاظ أثناء الليل.
زيادة مدة النوم العميق.
ارتفاع نشاط موجات دلتا المرتبطة بالنوم المريح والاستشفائي.
طريقة التحفيز الشمي المقترحة
يشير الباحثون إلى أن تطبيق هذا الأسلوب لا يتطلب أجهزة معقدة أو تقنيات طبية متخصصة.
وتشمل الخطوات المقترحة:
استخدام عطر أو زيت عطري على الملابس صباحا أو مساءً.
تشغيل جهاز نشر الروائح (Diffuser) داخل المنزل أو غرفة النوم.
التناوب بين أربعة روائح مختلفة على الأقل.
استنشاق كل رائحة لمدة 30 ثانية عبر كل فتحة أنف مرتين يوميا.
الاستمرار على البرنامج لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر.
نتائج واعدة تحتاج إلى مزيد من الدراسات
رغم المؤشرات الإيجابية، يؤكد الباحثون أن معظم الدراسات الحالية ما تزال محدودة من حيث عدد المشاركين، لذلك لا يمكن اعتبار التحفيز الشمي علاجا مثبتا بشكل نهائي لفقدان الشم أو ضعف الذاكرة.
ومع ذلك، فإن النتائج المتاحة تشير إلى أن التعرض المنتظم للروائح قد يكون وسيلة بسيطة وآمنة لدعم صحة الدماغ وتحسين النوم وربما المساعدة في استعادة حاسة الشم لدى بعض الأشخاص.