نجح باحثون من Massachusetts Institute of Technology في كشف الآلية الكيميائية التي تجعل الخرسانة المحقونة بثاني أكسيد الكربون أكثر قوة ومتانة، وهو اكتشاف قد يساعد على تطوير جيل جديد من مواد البناء منخفضة الانبعاثات الكربونية.
ولسنوات عديدة، اعتمدت شركات البناء تقنية حقن ثاني أكسيد الكربون داخل الخرسانة بهدف احتجاز الانبعاثات وتحسين الأداء المبكر للمادة، إلا أن السبب العلمي الدقيق وراء هذه الفوائد ظل غير مفهوم بالكامل حتى الآن.
مراقبة التفاعلات الكيميائية لحظة بلحظة
استخدم فريق البحث من مركز استدامة الخرسانة وقسم الهندسة المدنية والبيئية في MIT تقنية متقدمة تُعرف بالمجهر الطيفي الكونفوكالي رامان، وهي تقنية تعتمد على الليزر لرصد التفاعلات الكيميائية داخل عجينة الأسمنت خلال أول 24 ساعة من عملية التصلب.
وتتيح هذه التقنية تحديد المركبات الكيميائية المختلفة من خلال تحليل طريقة تفاعل الضوء الليزري مع الروابط الكيميائية، حيث يترك كل مركب بصمة طيفية مميزة.
اكتشاف مسار كيميائي جديد
أظهرت النتائج أن ثاني أكسيد الكربون يلتقط في البداية الكالسيوم المتحرر أثناء ذوبان الأسمنت، ما يؤدي إلى إبطاء عملية الترطيب التقليدية مؤقتا وتغيير البيئة الكيميائية داخل المادة.
وخلال هذه المرحلة، تنتشر مركبات السيليكات الذائبة في أنحاء الخليط وتشكل شبكة مترابطة من هلام السيليكا، وهو تركيب مؤقت يلعب دورا محوريا في إعادة تشكيل البنية الداخلية للخرسانة.
هلام السيليكا يختفي ليصنع مادة أقوى
بعد عدة ساعات، يتحول ثاني أكسيد الكربون المحقون بالكامل إلى معادن مستقرة، لتعود عملية الترطيب الطبيعية للأسمنت إلى مسارها المعتاد.
وعند هذه النقطة يتكون هيدروكسيد الكالسيوم الذي يتفاعل مباشرة مع شبكة السيليكا المؤقتة، منتجا مركب سيليكات الكالسيوم المائية (C-S-H)، وهو المادة الأساسية المسؤولة عن قوة الخرسانة وقدرتها على التماسك.
لكن بخلاف الخرسانة التقليدية، يتوزع هذا المركب الجديد بشكل متجانس في كامل المادة بدلاً من تركزه حول حبيبات الأسمنت فقط.
زيادة القوة بنسبة 13%
أظهرت الاختبارات أن عينات الأسمنت التي احتوت على كمية من ثاني أكسيد الكربون تعادل 1% من وزن الأسمنت حققت زيادة متوسطة بلغت 13% في مقاومة الضغط بعد 24 ساعة فقط مقارنة بالعينات التقليدية.
ويرى الباحثون أن هذا التحسن يعود إلى البنية الداخلية الأكثر تجانسًا التي تتشكل نتيجة المسار الكيميائي الجديد المكتشف.
تصحيح مفاهيم سابقة
كما كشفت الدراسة أن جزيئات كربونات الكالسيوم، التي كان يُعتقد سابقا أنها السبب الرئيسي وراء زيادة قوة الخرسانة، لا تؤدي سوى دور ثانوي في العملية.
وتشير النتائج إلى أن العامل الأساسي يتمثل في إعادة تنظيم التفاعلات الكيميائية داخل الأسمنت أثناء المراحل المبكرة من التصلب.
وقال الباحث Admir Masic إن الصناعة استخدمت تقنية حقن ثاني أكسيد الكربون لسنوات دون فهم كامل لما يحدث داخل الخرسانة، مضيفا أن معرفة الآلية الدقيقة تتيح الآن التحكم بشكل أفضل في هذه العملية وتحسين نتائجها.
أهمية الجرعات الدقيقة
حذر الباحثون من أن زيادة كميات ثاني أكسيد الكربون بشكل مفرط قد تؤدي إلى حجز كميات كبيرة من الكالسيوم، مما قد يعرقل بعض التفاعلات المفيدة داخل الأسمنت.
ومع ذلك، توفر النتائج الجديدة خريطة واضحة للمهندسين لتصميم منتجات أسمنتية أكثر قوة وأقل تأثيرا على المناخ، وهو ما قد يدعم مشاريع البنية التحتية المستقبلية المستدامة.
تطبيقات واعدة لقطاع البناء
يأتي هذا الاكتشاف في وقت يسعى فيه قطاع البناء العالمي إلى تقليل بصمته الكربونية، خاصة أن صناعة الأسمنت تُعد من أكثر الصناعات مساهمة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميا.
وقد تساعد التقنية الجديدة على الجمع بين هدفين رئيسيين في آن واحد، هما تحسين أداء الخرسانة وتخزين جزء من ثاني أكسيد الكربون الملتقط داخل مواد البناء بشكل دائم.