انها بداية الطريق ولا شيء مضمون مئة بالمئة جاءت مذكرة التفاهم إن صحت تكهنات قرب التوقيع عليها من قبل طهران التي تتريث حتى الآن و كما يقال " الكحل افضل من العمى" أو مثل : لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم" وأول بنودها فتح مضيق هرمز والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول ، أمام واشنطن ثلاثة خيارات فقط : الصبر أو الدفع أو المواجهة وكل خيار منها عبارة عن فخ ، لكن ترامب لا عهد لهم وخاصة بمدى تأثير نتنياهو عليه ، الهدف إعادة فتح مضيق هرمز وكبح جماح طموحات إيران النووية ويبدو أن واشنطن وطهران بعد مفاوضات ماراثونية روتينية و سعي كل طرف لتحقيق مصالحه الخاصة ويتعامل مع المسألة بطريقته, واشنطن كانت تحاول ضبط المفاوضات مع إيران من منظور القوة ، بينما تنظر إليها طهران من منظور المصالح بينما تسعى واشنطن إلى فرض مطالبها على إيران من خلال مزيج من الضغوط الاقتصادية والعقوبات أما طهران تريد إجبار الولايات المتحدة على التنازل بالاستيلاء على شيء ذي قيمة وترفض إعادته.
هي تجربة مفاوضات مطولة مع إيران كالتي جرت بشأن إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين ، مفاوضات بشكل عام عطلت استخدام القوة كان ذلك بعد نجاح الثورة في 1979، و بمثابة ورقة ضغط على الولايات المتحدة خاصة بعد فشل عملية تحريرهم ، آنذاك لم يبقى أمام واشنطن خيار سوى دفع ثمن اعادتهم حسب الاتفاق في حينه ، كان الوقت في صالح الإيرانيين لم يكونوا على عجلة من أمرهم كانت استراتيجيتهم هي التمهل وترك الرهائن يعانون بينما تسعى واشنطن لإطلاق سراحهم.
ازداد نفوذ إيران مع مرور الأيام ، وفي أيلول 2023، وقعت الولايات المتحدة اتفاق مع إيران لإطلاق سراح خمسة أمريكيين محتجزين بعد أن استمرت المفاوضات لعدة أشهر جاء ذلك بعد موافقة الولايات المتحدة على إطلاق سراح عدد من الإيرانيين من سجونها وتحويل 6 مليارات دولار من كوريا الجنوبية إلى قطر واودع المبلغ في حسابات مقيدة لا يمكن لإيران الوصول إليها إلا للعمليات الإنسانية غير المشمولة بالعقوبات وأصرت إيران على تحويل الأموال من سيول إلى الدوحة ، حيث يسهل الوصول إليها و بموجب بالاتفاق أنشأت الولايات المتحدة آليات رقابية من خلال وزارة الخزانة لضمان عدم وجود أي تسريبات أو إنفاق (غير مشروع) بعد ثلاثة أسابيع و في 7 تشرين الأول 2023، فاجأت حماس العالم بعمليتها الاستثنائية وجاء دعم المرشد الأعلى الإيراني للعملية علنيا وردا على ذلك، أمرت واشنطن النظام القطري بتجميد الرصيد الإيراني ولا يزال الوضع على حاله حتى اليوم.
اليوم، إيران اتبعت نفس الاستراتيجية و لكن على نطاق أشمل واقسى من خلال القبض على شرايين الاقتصاد العالمية مبدئيا مضيق هرمز وربما كان غدا مضيق باب المندب ، فخمس إمدادات النفط العالمية تمر من “هرمز” سيطرة طهران عليه ومن ثم أصبح يجلب لها عوائد مالية وسياسية مهمة بعد تشكيل هيئة جديدة لتيسير الملاحة دخولا وخروجا من المضيق ، يمكن القول أن إيران كانت تملك ما تريده الولايات المتحدة ( بل والعالم أجمع) ، ولن تتخلى عنه حتى تدفع أمريكا الثمن وتأكد ذلك بعد مقابلة لمحسن رضائي المستشار العسكري للمرشد الأعلى الإيراني الجديد مع بليغان، مذيع شبكة سي إن إن ، أقر فيها رضائي بأن المضيق سيبقى مغلقا حتى تفرج واشنطن عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة و قال مخاطبا الامريكان : "يجب عليكم تحرير الاصول، إذا كان ترامب جادا في المفاوضات، فإن هذه الـ 24 مليار دولار ستكون مجرد اختبار ثقة و يجب على أمريكا اجتيازه"، إنها معادلة بسيطة : أعطونا المال وإلا فلن تحصلوا على ما تريدون ، سيبقى الأمر بحوزتنا ومن الجدير بالذكر أن المبلغ الذي طالب به رضائي يشمل الـ 6 مليارات دولار التي شكلت أساس اتفاقية إطلاق سراح الرهائن لعام 2023 وهذا مؤشر واضح يمكن القول إن المفاوضات الحالية بالنسبة لإيران هي تكرار للتاريخ ،
إلا أن الاقتصاد العالمي برمته هذه المرة رهينة والثمن المفروض أعلى بأربعة أضعاف
سعت الإدارة الأمريكية إلى إضعاف النفوذ الإيراني عبر ممارسة ضغوط مضادة ومن خلال تقليص صادرات النفط الإيرانية عبر حصار بحري حاول ترامب خلق تكاليف تفوق أي مكاسب محتملة لطهران في حال استمرار المواجهة لفترة طويلة وهي خطوة تفاقم التداعيات الاقتصادية على إيران و تشير معظم المؤشرات إلى أن البلاد اقتصاديا منهكة والتضخم مفرط، وقد خسرت مليارات الدولارات من الإيرادات اللازمة لدفع رواتب موظفي الحكومة ، مع ذلك كان من غير المرجح أن تؤثر المصاعب الاقتصادية أو معاناة الشعب الإيراني على القيادة الجديدة في طهران وهو ما قاله رضائي من تعنت وصبر الجمهورية الإسلامية ويبدو أن نهجه هو الذي السائد عند القيادات السياسية والعسكرية في طهران، إلى جانب أحمد وحيدي القائد الجديد للحرس الثوري الإسلامي الذي هو اقتر باصرار على السيطرة على مضيق هرمز و تم ذلك
طهران تعلم أن ترامب لن يتمكن من الصمود أمام الضغوط الاقتصادية الكلية التي تمارس على العالم أجمع، وسيكون أول من يتراجع و مؤشر على ذلك كان تصريحات ترامب المتكررة حول " اتفاق" وشيك لا تزيد إيران إلا إصراراً على أن ترامب في أمسّ الحاجة إلى هذا الاتفاق أكثر من طهران و كان بإمكان الولايات المتحدة محاولة فرض سيطرتها وتأمين الممر الدولي عبر المضيق عسكرياً وقد جرب هذا الأمر خلال عملية الحرية التي لم تستمر سوى يوم واحد ويمكن للولايات المتحدة العودة إلى هذا النهج - فقد سبق لترامب أن ناقش استمراره تحت مسمى " الحرية بلس" لكن إيران هددت بالرد حتى لو استمر الحصار الأمريكي ، كما أيضا صرح رضائي : "إن لم يرفع الحصار البحري سننقل الحرب إلى المحيط الهندي ومضيق باب المندب والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط"، بمعنى آخر إذا حاولتم قصفنا سوف نحتجز المزيد من الرهائن ، ويمر ما يقارب 10% من التجارة البحرية عبر مضيق باب المندب ،لذلك المفاوضات تعثرت كثيرا الى ان يقرر ترامب دفع الثمن من خلال مذكرة التفاهم و أمام واشنطن ثلاثة خيارات:
الأول - السعي لتجاوز الضغوط الاقتصادية الكلية وارتفاع أسعار البنزين، في ظل تفاقم الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها طهران إلى أجل غير مسمى.
.الثاني- دفع المليارات مقدما لإيران مقابل العودة إلى الوضع السابق للحرب سيكون تراجعًا مهينًا للغاية لترامب ، نظرا لأهدافها المعلنة.
والثالث - لحرب فرض سيطرة عسكرية على المضيق واستئناف العمليات العسكرية الكبرى على الأراضي الإيرانية، مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر امتداد الحرب من طهران إلى جبهات أخرى.
بالنسبة لطهران الحسابات أبسط بكثير: الحفاظ على السيطرة والانتظار واذا لم تتغير موازين القوى فجأة ، تستمر المفاوضات رغم التنبؤ عن قرب الاتفاق بين يوم وآخر بعد زيارة كل من وزير الدفاع والداخلية الباكستانيين تفاؤل بقرب حل إقليمي شامل ما لم يدخل نتنياهو يعمل عدواني كبير نلاحظ كما العادة و يعيد المنطقة إلى جولة قد تكون شاملة تجبر ترامب على المشاركة و حينها اتوقع ان طهران سوف تظهر كل ما تبقى لديها من أوراق في الجغرافيا والعسكر ونذهب المنطقة إلى كارثة عالمية وخاصة في الأفراد و التجارة وهو قطعا ليس لصالح واشنطن والغرب والخليج على كافة المستويات ، بل موازين قوى جديدة محورها إيران وإما انتفاضة شعوب وأنظمة يستحمرها ترامب ويبتزها و يسلط على عوائد خيراتها ومقدراتها وهو المستبعد أوعبودية لواشنطن و ذراعها تل أبيب إلى قرن من الزمن على أقل تقدير.