خطوط تل أبيب الحمراء وفيتو أنقرة:, لماذا يتوسل الجميع
مقالات
خطوط تل أبيب الحمراء وفيتو أنقرة:, لماذا يتوسل الجميع "موسكو" لإنقاذ سوريا من الفوضى؟
محمود موالدي
22 حزيران 2026 , 05:41 ص

محمود موالدي

تثبت الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، وتحديداً في المشهد السوري بعد سقوط نظام الرئيس المغيب بشار الأسد، أن الفراغ الاستراتيجي لا يدوم طويلاً، وأن حسابات القوى الكبرى والإقليمية غالباً ما تلتقي عند نقاط "التوازن البراغماتي" لتجنب الفوضى الشاملة.

في هذا السياق، يبدو أن المؤشرات الميدانية والسياسية الصاعدة تعيد التموضع العسكري والسياسي الروسي في سوريا إلى الواجهة، ليس كقوة أحادية، بل كضرورة وحاجة استراتيجية تلتقي عليها مصالح الخصوم والأصدقاء على حد سواء.

أنقرة وهواجس التمدد "الصهيو-أمريكي"تنطلق المخاوف التركية اليوم من سيناريوهات ما بعد التغيير في دمشق؛ حيث تخشى أنقرة من قضم إسرائيلي تدريجي واحتلال عسكري لجنوب سوريا تحت ذرائع أمنية.

هذا الصعود لنفوذ التحالف الأمريكي الإسرائيلي يشكل خطراً مباشراً على تركيا، كونه يسعى إلى تحجيم نفوذها الجيوسياسي في الشمال والداخل السوري.

ومع اقتراب مواجهة محتملة بين هذا التحالف وتنظيمات الإسلام السياسي السني التي تصدرت المشهد مؤخراً يصبح التدخل الروسي بمثابة صمام أمان لإعادة صياغة ميزان القوى مع واشنطن، مستنداً إلى نفوذ موسكو التاريخي والعميق في بنية الدولة السورية ومصالح روسيا الحيوية في المياه الدافئة السورية.

معضلة الخيار الإسرائيلي-الأمريكي:

روسيا أم تركيا وإيران؟

من زاوية أخرى، قد تجد واشنطن وتل أبيب في الحضور الروسي خياراً "أقل مرارة" وأكثر قابلية للتنبؤ مقارنة بهيمنة تركية كاملة ومطلقة على دمشق.

إضافة إلى ذلك، فإن الهاجس الأكبر للتحالف الغربي يتمثل في منع عودة إيران واستعادة نفوذها في سوريا، خاصة بعد إخفاق استراتيجيات إسقاط النظام الإيراني .

هنا، تلتقي مصلحة الخصوم مع مصلحة طهران نفسها بشكل غير مباشر؛ فوجود روسيا يضمن تحجيم النفوذ الإيراني وضبطه في إطار لا يستفز القوى الدولية، نظراً للتنافس التقليدي بين موسكو وطهران على بنية النظام السوري السابقة.

وبما أن إيران تعاني من حصار وضغوط تمنعها من منافسة روسيا علناً، فإن بقاء موسكو يضمن لها على الأقل عدم قيام نظام معادٍ بالمطلق لها في دمشق.

وبالتالي، تحولت روسيا إلى "نقطة التقاء وسطى" وحل توازني يقبله الجميع بمبررات واقعية.

أوراق الضغط الروسية: من السلاح إلى مسار 2254

لم تخرج موسكو من المشهد السوري دون مقابل، ولن تتخلى عن موطئ قدمها التاريخي لما يمثله من ضربة لـ "كبريائها الجيوسياسي".

يدرك الجميع اليوم أن استبعاد الروس يعني دفعهم نحو خيار "تخريب اللعبة" عبر دعم رجال النظام السابق لإحداث واقع جديد يتجنبه المجتمع الدولي.

تمتلك روسيا أوراق ضغط حاسمة على دمشق، لعل أبرزها:

ديون السلاح والتسليح: يحتاج بناء أي جيش سوري جديد إلى منظومات تسليح؛ وهنا تبرز رغبة إسرائيلية خفية في تفضيل السلاح الروسي على التركي، لكون الروس يحترمون "الخطوط الحمراء" الإسرائيلية، ولأن التفوق العسكري الغربي على السلاح الروسي بات حقيقة مثبتة ميدانياً (كما أظهرت الساحة الأوكرانية).

التمثيل السياسي لبيئة النظام السابق: هناك حاجة دولية لروسيا لتكون المظلة التي تضمن إدماج المكونات الموالية للنظام السابق في أي عملية سياسية قادمة تستند إلى القرار الأممي 2254، وضمن ضوابط التغيير الحاصل.

الموقف العربي وهندسة الساحل السوري:

عربياً، تتقاطع المصالح مع الرؤية الروسية؛ إذ يفضل الموقف العربي دوراً روسياً فاعلاً يشكل كابحاً للتمدد التركي او الإيراني، والتغول الإسرائيلي.

موسكو، التي تحتفظ بعلاقات صداقة جيدة مع العواصم العربية، تُعد الشريك الأفضل إقليمياً مقارنة ببدائل الإسلام السياسي أو الفوضى المفتوحة.

هذا الدور التوازني يفسر بوضوح حالة الهدوء الحذر في الساحل السوري ومنع الحراك العلوي (حالياً)؛ فموسكو لا تريد إثارة المجتمع الدولي ضدها، والجميع بحاجة لجهودها لمنع انفجار الساحل الذي ستدفع روسيا ثمنه الأكبر.

ومن هنا، يمكن فهم توقف الاحتجاجات وانكفاء أقطاب النظام السابق

بكونه نتاج رغبة روسية حاسمة في فرض الاستقرار وتجنب الفوضى (من وجهة نظرها).

ختاماً... الفرصة السورية السانحة في المحصلة: يفرض التموضع الروسي المتنامي على السوريين الشرفاء، وبشكل خاص أبناء المكونين السني والعلوي، التقاط اللحظة السياسية واستغلال هذا الدور الدولي كرافعة وطنية.

إن الانخراط الذكي ( وأشدد الذكي جداً) مع الدور الروسي يمكن أن يضمن صياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد يمنح الجميع دوراً مناسباً وعادلاً في مستقبل البلاد، لأن الاستسلام لخيار الاستفراد التركي-الصهيوني بالملف السوري لن يجلب سوى البلاء المستدام والتبعية الدائمة.

#محمود_موالدي