لا تبدو حملة الاعتقالات الواسعة التي يشهدها العراق مجرد عملية تقليدية لمكافحة الفساد، بل أقرب إلى زلزال سياسي يضرب قلب النظام الذي تشكل بعد عام 2003. فحجم الشخصيات المستهدفة، وانتشار قوات مكافحة الإرهاب في أكثر من محافظة، وطبيعة الملفات التي أعيد فتحها دفعة واحدة، كلها مؤشرات على أن بغداد دخلت مرحلة إعادة ترتيب شاملة لمراكز القوة والنفوذ.
الحكومة العراقية تصف ما يجري بأنه «المرحلة الأولى من صولة مكافحة الفساد»، لكن المشهد أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فالأسماء المتداولة تضم شخصيات محسوبة على رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وأخرى قريبة من رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ما يفتح الباب أمام فرضية تبدو أكثر واقعية: تصفية حسابات داخل البيت السياسي الشيعي وإعادة رسم التوازنات استعداداً لمرحلة جديدة.
منذ عام 2003، لم يكن الفساد في العراق مجرد ظاهرة إدارية أو مالية، بل تحول إلى جزء من بنية النظام السياسي نفسه، وإلى آلية لتقاسم النفوذ بين الأحزاب والقوى المتنفذة. لذلك فإن فتح هذا النوع من الملفات لا يمكن فصله عن الصراع على السلطة، لأن ضرب شبكات الفساد يعني بالضرورة ضرب شبكات النفوذ التي أنتجتها.
لكن التطورات الجارية لا يمكن قراءتها بمعزل عن المتغيرات الإقليمية. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تموضع كبرى في ظل الصراع الإيراني – الأمريكي – الإسرائيلي، والتفاهمات الجديدة التي تتشكل بين القوى الدولية والإقليمية. وفي هذا السياق، يبدو أن العراق يتحول تدريجياً من ساحة صراع مفتوحة إلى ساحة لإعادة إنتاج التوازنات وإعادة تعريف دوره في المنطقة.
وثمة من يرى أن ما يجري لا يقتصر على مكافحة الفساد أو إعادة ترتيب مراكز النفوذ، بل يندرج ضمن صفقة سياسية أوسع هدفها منع تدهور العراق وإبعاده عن خطر الانزلاق إلى فتنة داخلية، بالتوازي مع مسايرة المتطلبات الدولية والإقليمية الداعية إلى تعديل طبيعة الإسلام السياسي الحاكم وإعادة إنتاجه بصورة أكثر انسجاماً مع التوازنات الجديدة. وفي المقابل، يلوح وعد أمريكي بدعم اقتصادي واسع والحفاظ على العراق كساحة مستقرة، وهو مطلب يلتقي عنده معظم الفاعلين الإقليميين والدوليين، بما في ذلك إيران نفسها، على الأقل في ظل العاصفة الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
أما إيران، التي كانت تنظر إلى العراق لسنوات باعتباره خط دفاع استراتيجياً ومجالاً حيوياً لأمنها القومي، فتبدو اليوم أكثر ميلاً إلى الحفاظ على استقراره وحياده النسبي. فبعد مرحلة المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يعد من مصلحتها أن يتحول العراق إلى ساحة اشتباك جديدة، بقدر ما أصبح مهماً أن يبقى منطقة نفوذ مستقرة تمنع انتقال التهديدات إلى حدودها وتحافظ على الحد الأدنى من التوازن الداخلي.
وفي الداخل العراقي، تبرز فرضية أخرى لا تقل أهمية، وهي السعي إلى إنتاج نموذج سياسي شيعي جديد، أكثر انسجاماً مع متطلبات الدولة وأقل ارتباطاً بصراعات المحاور الإقليمية. وقد بدأت ملامح هذا التحول بالظهور مع تصاعد رغبة جزء من النخب والقوى العراقية في الخروج من الوصاية الإيرانية وإعادة صياغة العلاقة مع طهران على أساس المصالح المتبادلة لا التبعية السياسية. وفي هذا السياق، يبدو أن حتى الحشد الشعبي، الذي شكّل خلال السنوات الماضية أحد أبرز مراكز القوة في العراق، أصبح هو الآخر ضمن دائرة المراجعة وإعادة التقييم، خاصة بعد انسحاب بعض القوى منه وتبدل مواقف قوى أخرى، ما يعكس تحولات عميقة داخل البيئة السياسية الشيعية نفسها.
لكن السؤال الأكثر حساسية يبقى: من يضمن أن عملية إعادة هندسة السلطة هذه لن تؤدي إلى فتنة داخل البيت الواحد، في ظل تشابك المصالح وتضارب الحسابات بين القوى الشيعية نفسها؟ فإعادة رسم موازين القوى في العراق لطالما كانت عملية شديدة التعقيد، وأي محاولة لإقصاء طرف أو تقليص نفوذ آخر قد تفتح الباب أمام صراعات داخلية لا تقل خطورة عن الأزمات التي عرفها العراق خلال العقدين الماضيين.
العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإذا كانت هذه الحملة بداية لبناء دولة المؤسسات واستعادة هيبة القانون، فقد تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ البلاد وتمنح العراقيين فرصة للخروج من دوامة الأزمات المزمنة. أما إذا تحولت إلى مجرد أداة لتصفية الخصوم وإعادة توزيع النفوذ، فإن العراق سيكون أمام دورة جديدة من الصراعات السياسية التي رافقته طوال العقدين الماضيين.
السؤال الحقيقي اليوم ليس من تم اعتقاله، ولا من سيكون الهدف التالي، بل أي عراق يجري بناؤه خلف أبواب هذه العاصفة السياسية، ومن ستكون له الكلمة الفصل في مرحلة ما بعد إعادة هندسة السلطة؟ وهل نشهد ولادة دولة أكثر استقراراً، أم مجرد إعادة توزيع للأدوار تحت عنوان جديد؟