توصل باحثون إلى فهم أعمق للطريقة التي يستجيب بها الدماغ للتوتر والتهديد ، بعدما حللوا نتائج أبحاث امتدت لنحو 50 عاما حول دور السوماتوستاتين، وهو ببتيد يؤدي دورا أساسيا في تنظيم نشاط الخلايا العصبية والحفاظ على التوازن بين الإثارة والتثبيط داخل الدماغ.
وأظهرت النتائج أن التعرض للتوتر لا يؤثر في الحالة النفسية فحسب، بل يغير أيضا طريقة عمل الخلايا العصبية المسؤولة عن التحكم في المشاعر والسلوك.

السوماتوستاتين ... "مكابح" الدماغ الطبيعية
يشبّه الباحثون السوماتوستاتين بمكابح السيارة، فهو لا يزيد من نشاط الدماغ، بل يمنع الإشارات العصبية من الخروج عن السيطرة.
واكتُشف هذا الببتيد بالصدفة عام 1973، عندما كان العلماء يبحثون عن مادة تحفز إفراز هرمون النمو، لكنهم عثروا بدلا من ذلك على مركب يثبط إنتاجه.
وتبين لاحقا أن السوماتوستاتين يؤدي في الدماغ دورا مهما في الحد من نشاط بعض الخلايا العصبية، بما يحافظ على استقرار الإشارات العصبية ويمنع فرط نشاطها.
ويوجد السوماتوستاتين في الجسم بصيغتين هما SST-14 وSST-28، وترتبط كل منهما بمستقبلات مختلفة، مما يتيح للدماغ تنظيم عمليات التثبيط العصبي بدقة.
خلايا عصبية تتحكم في المشاعر والسلوك
يركز السوماتوستاتين داخل نوع خاص من الخلايا العصبية المثبطة في القشرة الدماغية، والتي تمثل ما يقارب ثلث الخلايا العصبية البينية في بعض مناطق الدماغ.
ولا تفرز هذه الخلايا السوماتوستاتين فقط، بل تطلق أيضا الناقل العصبي المثبط حمض غاما-أمينوبيوتيريك (GABA)، مما يوفر آلية مزدوجة للحد من النشاط العصبي.
وترتبط هذه الخلايا بالخلايا العصبية الرئيسية في القشرة الدماغية، وتؤثر بصورة مباشرة في السلوك والمشاعر، لذلك فإن أي تغير في نشاطها قد يؤدي إلى زيادة الشعور بالخوف، أو فقدان الشهية، أو انخفاض الإحساس بالمكافأة والمتعة.
التوتر يغيّر نشاط الخلايا العصبية
أظهرت الدراسة أن تأثير التوتر يختلف باختلاف مدته.
ففي حالات التوتر الحاد، قد ترتفع مستويات السوماتوستاتين بسرعة، بينما يؤدي التعرض للتوتر المزمن إلى استنزاف مخزونه في مناطق مهمة من الدماغ، مثل الحُصين (Hippocampus).
كما تترك الضغوط النفسية آثارا في عدة مناطق دماغية، من بينها اللوزة الدماغية (Amygdala) والقشرة الجبهية الأمامية، وهما منطقتان تلعبان دورا رئيسيا في تنظيم الانفعالات واتخاذ القرارات.
وأشار الباحثون إلى أن الخلايا العصبية المنتجة للسوماتوستاتين تُعد من أكثر الخلايا حساسية للتوتر، إذ يمكن للضغوط المستمرة أن تعيد برمجة نشاطها، بما يؤثر في الدوائر العصبية المسؤولة عن الحالة المزاجية.
اختلاف الاستجابة بين الرجال والنساء
لفتت الدراسة إلى أن الاستجابة للتوتر، وكذلك فاعلية العلاجات المحتملة، قد تختلف بين الرجال والنساء على المستويين الجيني والسلوكي.
وأوضح الباحثون أن العلاج الذي يحقق نتائج لدى أحد الجنسين قد لا يكون بالفعالية نفسها لدى الجنس الآخر، وهو ما يستدعي مراعاة هذه الفروق عند تطوير العلاجات المستقبلية.
ارتباط السوماتوستاتين بأمراض عصبية ونفسية
أظهرت الدراسات أن انخفاض مستويات السوماتوستاتين وعدد الخلايا العصبية المنتجة له يرتبط بعدد من الاضطرابات العصبية والنفسية، من بينها:
الاكتئاب.
الاضطراب ثنائي القطب.
مرض الزهايمر.
مرض باركنسون.
وأشارت النتائج إلى أن هذا الانخفاض يكون أكثر وضوحا لدى النساء في بعض الحالات.
وفي المقابل، قد ترتفع مستويات السوماتوستاتين لدى المصابين بـاضطراب ما بعد الصدمة، مما يشير إلى أن استجابة الدماغ للتوتر تختلف باختلاف نوع الاضطراب والحالة المرضية.