بقلم: د. هناء سعادة
بعد ألف يوم من الحرب التي روّج لها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو باعتبارها معركة ستفضي إلى "النصر المطلق"، بدأت وسائل الإعلام العبرية نفسها في تفكيك هذه الرواية، مقدمةً صورة مغايرة تماماً للخطاب الرسمي الذي ظل يهيمن على المشهد منذ السابع من أكتوبر 2023. فبدلاً من الانتصارات الحاسمة التي وعد بها نتنياهو، تتحدث القنوات والصحف العبرية اليوم عن إخفاقات استراتيجية، واستنزاف متعدد الأبعاد، وأهداف معلنة لم يتحقق منها شيء.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المراجعات أنها لم تصدر عن وسائل إعلام مناوئة للكيان، بل عن مؤسسات إعلامية إسرائيلية لطالما واكبت الحروب وغطت العمليات العسكرية من الداخل. وهو ما يمنح هذه الاعترافات ثقلاً خاصاً، لأنها تعكس تصدعاً في الرواية الرسمية، وتؤكد أن الحقائق الميدانية أصبحت أقوى من قدرة الدعاية السياسية على إخفائها أو إعادة صياغتها.
فقد أقرت القناة الثالثة عشرة الإسرائيلية، في تقييم غير مسبوق، بأن الكيان لم يحقق "أي نصر حاسم" بعد ألف يوم من القتال على مختلف الجبهات. ولم يقتصر الأمر على الإقرار بعدم تحقيق الأهداف العسكرية، بل امتد إلى الاعتراف بأن إيران خرجت من المواجهة وهي في وضع أفضل مما كانت عليه، بعد أن استعادت جزءاً من حضورها الدولي، وبدأ اقتصادها يستعيد عافيته، في تناقض صارخ مع الادعاءات التي روّجت لتدمير قدراتها وشل مشروعها الاستراتيجي.
والأهم من ذلك، أن القناة نفسها أكدت أن الحرب لم تستنزف القدرات البشرية والاقتصادية والنفسية للكيان فحسب، وإنما أضعفت أيضاً مكانته الإقليمية والدولية، وألحقت ضرراً بعلاقته مع الولايات المتحدة، التي شكلت لعقود الركيزة الأساسية للتفوق العسكري والسياسي الإسرائيلي. وهو اعتراف يحمل دلالات استراتيجية، لأن أي تراجع في مستوى الثقة أو التنسيق مع واشنطن لا يمكن اعتباره خسارة تكتيكية عابرة، بل يمثل مساساً بأحد أهم مرتكزات الأمن القومي للكيان.
وفي الاتجاه ذاته، وجهت القناة الثانية عشرة ضربة مباشرة لرواية نتنياهو، عندما أكدت أن من وعدوا الإسرائيليين بـ"النصر المطلق" انتهوا إلى "فشل مطلق". ولم يكن هذا الوصف مجرد تعبير إعلامي، بل استند إلى حصيلة الجبهات التي خاضها الاحتلال خلال الأشهر الماضية. ففي إيران، لم يسقط النظام، ولم يُدمر البرنامج النووي، ولم يتوقف برنامج الصواريخ، وهي الأهداف التي ظلت القيادة السياسية تقدمها للرأي العام باعتبارها مبررات أساسية للتصعيد العسكري. أما في لبنان، فقد تكبد الكيان أثماناً باهظة، دون أن ينجح في فرض معادلات جديدة تحقق ما أعلن عنه من أهداف.
ولم تكن هذه التقييمات معزولة عن سياق أوسع من المراجعات داخل الإعلام العبري. فقد اعتبرت قناة "كان" أن الإخفاق الذي بدأ في غزة لم يبق محصوراً فيها، وإنما امتد إلى لبنان واليمن والضفة الغربية وإيران، في إقرار بأن الحرب التي أرادها نتنياهو عنواناً لاستعادة الردع، تحولت إلى سلسلة من الجبهات المفتوحة التي استنزفت القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية للكيان، من دون أن تحقق الحسم الذي بشرت به القيادة السياسية.
وتكشف هذه الاعترافات أن الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني اتسعت إلى درجة لم يعد بالإمكان إخفاؤها. فمنذ الأيام الأولى للحرب، حرص نتنياهو على تقديم كل عملية عسكرية باعتبارها نقطة تحول استراتيجية، وأعلن مراراً أن الاحتلال يسير نحو "النصر المطلق"، وأن خصومه يتلقون ضربات غير مسبوقة. غير أن الوقائع المتراكمة، وما رافقها من اعترافات صادرة عن الإعلام العبري، أظهرت أن هذه الشعارات كانت أقرب إلى أدوات للحرب النفسية منها إلى توصيف موضوعي لمجريات الميدان.
اعترافات الداخل تهدم دعاية نتنياهو
ولم يعد الجدل داخل الكيان يدور حول حجم الإنجازات العسكرية، بل حول حجم الفجوة بين ما وعدت به القيادة السياسية وما آلت إليه الوقائع. فكلما اتسعت رقعة الحرب، اتسعت معها رقعة الإخفاق، وكلما ارتفع سقف الشعارات، ازدادت صعوبة إخفاء النتائج الحقيقية. وهنا تتجلى إحدى أبرز سمات إدارة نتنياهو للحروب، وهي استبدال الحقائق بالدعاية، وتحويل الحرب النفسية إلى وسيلة لإنتاج انتصارات إعلامية تسبق الانتصارات العسكرية، بل وتحل محلها عندما تغيب.
لقد راهن نتنياهو، طوال أشهر الحرب، على السيطرة على الرواية بقدر رهانه على السيطرة على الميدان. فكان يعلن تحقيق الأهداف قبل انتهاء المعارك، ويقدم الوعود على أنها حقائق، ويضخم النتائج لإقناع الرأي العام بأن الكيان يمضي من انتصار إلى آخر. غير أن اعترافات الإعلام العبري كشفت أن هذه الرواية لم تصمد أمام التقييمات الواقعية، وأن ما سُوّق باعتباره "نصراً مطلقاً" لم يكن سوى خطاب سياسي هدفه احتواء الأزمات الداخلية، وإطالة عمر حكومة تواجه أزمات سياسية وقضائية غير مسبوقة.
ولم تتوقف عملية هدم هذه الرواية عند القنوات التلفزيونية، بل امتدت إلى المنصات الإعلامية الإسرائيلية المتخصصة. فقد أقر موقع "زمان إسرائيل" بأن الكيان يواجه واحدة من أكبر الأزمات الاستراتيجية في تاريخه، مؤكداً أن العقيدة الأمنية التي قادها نتنياهو على مدى سنوات تتعرض لانهيار غير مسبوق. كما أشار إلى تآكل الدعم الدولي، وإحراق الجسور مع قواعد التأييد التقليدية، ولا سيما في الولايات المتحدة، فضلاً عن اتساع عزلة الكيان على الساحة الدولية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية لسلوك حكومة الاحتلال وسياساتها.
وهذه الاعترافات لا تمثل مجرد مراجعات إعلامية، بل تعكس تحولاً في قراءة نتائج الحرب داخل الكيان نفسه. فعندما تتحدث وسائل الإعلام العبرية عن غياب النصر، وعن تمدد الإخفاق إلى غزة ولبنان وسوريا واليمن والضفة الغربية وإيران، فإنها تهدم عملياً الأساس الذي بنى عليه نتنياهو خطابه السياسي، والقائم على الإيحاء بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على فرض الوقائع وصناعة الاستقرار.
والأخطر من ذلك أن الحرب، التي قُدمت للإسرائيليين باعتبارها وسيلة لاستعادة الردع وتعزيز الأمن، انتهت ـ وفق هذه التقييمات ـ إلى نتائج معاكسة، حيث استنزفت القدرات العسكرية والاقتصادية، وعمقت الانقسام الداخلي، وأضعفت صورة الكيان خارجياً، من دون أن تحقق الأهداف التي أعلنها نتنياهو في بداية الحرب. وهذا ما يفسر تصاعد الانتقادات داخل الأوساط السياسية والإعلامية والعسكرية، التي باتت ترى أن القيادة السياسية غرقت في شعاراتها، وعجزت عن ترجمتها إلى نتائج ملموسة.
لقد أثبتت ألف يوم من الحرب أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تحول الدعاية إلى حقيقة، ولا أن تجعل من الشعارات بديلاً عن الإنجاز. فالروايات التي بُنيت على التهويل والمبالغة بدأت تتهاوى تباعاً، ليس بفعل روايات الخصوم، وإنما باعترافات صادرة من داخل الإعلام العبري نفسه، الذي وجد نفسه مضطراً للاعتراف بأن "النصر المطلق" الذي بشر به نتنياهو لم يتحقق، وأن الإخفاق امتد من غزة إلى إيران، مروراً بلبنان وسوريا واليمن والضفة الغربية.
وهكذا، تكشف حصيلة ألف يوم من الحرب أن أكبر هزيمة لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت هزيمة للرواية التي حاول نتنياهو فرضها على الداخل والخارج. فالرجل الذي جعل من الحرب النفسية والتضليل الإعلامي وسيلتين لإدارة الصراع، يواجه اليوم انهياراً متسارعاً في مصداقية خطابه، بعدما باتت وسائل إعلام الكيان نفسها تقر بأن ما وُصف بـ"النصر المطلق" لم يكن سوى شعار دعائي، بينما كانت الوقائع على الأرض تكتب قصة مختلفة تماماً، عنوانها الاستنزاف، والإخفاق، وتراجع الردع، وتعاظم العزلة، وفشل مشروع نتنياهو في تحقيق الأهداف التي خاض من أجلها أطول حروب الكيان وأكثرها كلفة.