”من الافتتاح إلى نهاية الشوط؛ قراءة في الاستراتيجية والسيادة، حيث تتجاوز قيمة النقلة سرعتها، ويغدو الزمن قطعة خفية على الرقعة، بينما يظل العقل أكثر العناصر قدرة على إعادة تشكيل موازين القوة. الجمهورية الإسلامية الإيرانية: القائد الذي يحرك قطع الدبلوماسية بحنكة على رقعة الجغرافيا، يوازن بين فتحات مدروسة ونقلات تكتيكية، ويقود سياسة خارجية حازمة تقف في وجه المشروع المعادي بحسن نية وتخطيط محنك ليعيد تشكيل موازين القوة."
ثمة لحظات في التاريخ لا يصلح لقراءتها ضجيج الشعارات، بل هدوء التأمل. فالأمم، حين تدخل منعطفات كبرى، لا تتحرك كما تتحرك الجموع في ساعة الانفعال، وإنما يتحرك لاعب شطرنج مخضرم؛ يقرأ الرقعة قبل أن يحرك القطعة، ويحسب أثر النقلات قبل أن تبدأ المباراة. ولعل أعظم ما يعلمه الشطرنج للسياسة أن القوة لا تستمد قيمتها من كثرتها، وإنما من حسن توظيفها، وأن المبادرة لا تعني التسرع، كما أن التراجع لا يكون دائما هزيمة، بل قد يكون إعادة تموضع تمهيدا لمرحلة مختلفة. ولهذا أصبحت استعارة بليغة لفهم العلاقات الدولية، وتتغير مواقع التأثير دون أن يتغير جوهر السعي إلى حماية الدولة وصون مصالحها.
في هذا السياق، كثيرا ما تطرح طهران في الدراسات السياسية بوصفها تستحق التأمل عند مناقشة مفاهيم السيادة، والردع، والعقوبات، والاستقلال الاستراتيجي. وقد انقسمت آراء الباحثين حول نتائج تجربتها؛ فمنهم من رأى فيها نموذجا لتعزيز الاعتماد على القدرات الوطنية في ظل الضغوط، ومنهم من ركز على التحديات والأثمان الاقتصادية والسياسية التي صاحبت هذا المسار. وهذا التباين ذاته يعكس تعقيد المشهد أكثر مما يقدم إجابة واحدة قاطعة.
ولو استعرنا لغة الشطرنج، لأمكن القول أن الافتتاح هو إعلان للرؤية. والسيطرة على المركز تعبير عن توسيع خيارات الحركة، والتبييت صورة لإعادة تنظيم مراكز الحماية، والتبديل مراجعة الحسابات، والتضحية قرار يوازن بين الكلفة والغاية، أما الكش فيمثل لحظة يتغير فيها إيقاع المبارة، دون أن يكون نهاية لها.
وعلى الرقعة أيضا، يرمز الجندي إلى أثر الخطوات الصغيرة المتراكمة، والحصان إلى الابتكار في تجاوز المسارات التقليدية، والفيل إلى اتساع زاوية النظر، والقلعة إلى قوة المؤسسات واستقرارها، والملكة إلى مرونة الحركة، بينما يبقى الملك رمز الاستمرارية للدولة وضرورة الحفاظ على كيانها.
غير أن الرقعة لا تكشف أسرارها لمن ينظر إلى نقلة واحدة فقط؛ فهي تروي قصة كاملة من المبادرة، والمناورة، والضغط، والتثبيت، والشوكة، وكسب الزمن، وإعادة التموضع، والتكييف مع المتغيرات. ومن هنا تبدو الاستراتيجية فنا للصبر بقدر ما هي فن للحركة، إذ قد تكون النقلة الهادئة أكثر من الاندفاع الذي لا يترك مجالا للمراجعة.
وقد شهد النظام الدولي خلال العقود الأخيرة تدخلات عسكرية، وعقوبات اقتصادية، وأزمات ممتدة تركت آثار إنسانية وسياسية عميقة. وتختلف تفسيرات هذه الوقائع بين المدارس الفكرية، إلا أن كثيرا من الباحثين يتفقون على أن إدارة الصراعات تتطلب فهما أشمل من الاكتفاء بمنطق الغلبة العسكرية وحده، وأن الاستقرار طويل الأمد يرتبط أيضا بالدبلوماسية، والقانون الدولي، وبناء الثقة، والقدرة على احتواء الأزمات.
وهكذا تعلمنا رقعة الشطرنج أن التاريخ لا يكتبه الاندفاع وحده، ولا يصنعه الجمود، وإنما ينسجه التوازن بين الرؤية والقرار، وبين الجرأة والحكمة، وبين الحركة والتروي. فكل نقلة تحمل معنى، وكل اختيار يفتح احتمالا جديدا، وكل مرحلة تعيد اختبار قدرة الدول على التعلم والتكيف.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل أن الرقعة، مهما ازدحمت بالقطع، تبقى في النهاية امتحانا للعقل قبل أن تكون امتحانا للقوة؛ فالنصر المستدام، في السياسة كما في الشطرنج، لا يقوم على لحظة عابرة، بل على رؤية بعيدة، ومؤسسات راسخة، وقراءة دقيقة لتحولات الزمن، وإدراك أن الحكمة ليست نقيض القوة، بل صورتها الأكثر دواما. وبحنكة قيادية، وتوازن استراتيجي، وصلابة سياسية، ورباطة جأش دبلوماسية، وشموخ مبدئي.
كاتب دمشق حر.
الأدب السياسي المقاوم.