”حين تتحول المآسي إلى مواسم انتقاء، ويغدو الصمت أمام نزيف الشرفاء الأبرياء، والاعتداء على المقدسات قرينا للابتهاج الخفي بكل عدوان، تسقط الأقنعة عن وجوه البعض وتتكشف ازدواجية الخطاب السياسي، وتنكشف مواقف آثرت حسابات المصالح على مقتضيات العدالة ونداء الضمير."
ليست السياسة مجرد خرائط جيوسياسية، ولا معادلات جيواستراتيجية، ولا رهانات براغماتية تتقلب مع اتجاه الرياح؛ إنها، قبل كل شيء امتحان للأخلاق حين تحتدم الأزمات، واختبار لصدق المبادئ عندما تتعالى أصوات المدافع. ومن هنا، لا تقاس المواقف بحجم التصريحات، بل بميزان الاتساق بين القول والفعل، وبين الشعارات والممارسة.
وفي خضم ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، يلحظ المتابع مفارقة تستدعي التأمل؛ إذ تبدو بعض المواقف السياسية لدى بعض من رهنوا أمرهم إلى قوى الهيمنة والاستعمار والأطماع، وكأنها تبدي ارتياحا أو ترحيبا غير معلن بكل عدوان صهيو_امبريالي نفاقي يستهدف دولة ذات حضارة ضاربة في جذور التاريخ القديم. بينما تخفت نبرة الاحتجاج أو تغيب تماما أمام ما يتعرض له المدنيون في قطاع غزة وجنوب لبنان واليمن من مآس إنسانية، وأمام الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى المكرم قرآنيا وعلى المقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء، بما يثير تساؤلات حول معيار العدالة الذي تحكم تلك المواقف.
إن ازدواجية المعايير ليست مجرد ظاهرة إعلامية، بل هي براديغم سياسي تتقاطع فيه البراغماتية مع حسابات النفوذ، وتتوارى فيه القيم خلف ستار المصالح. وحين يصبح الألم انتقائيا، ويتحول التضامن إلى سلعة موسمية، تفقد الخطابات الأخلاقية كثيرا من صدقيتها.
ومن منظور جينالوجي، فإن التاريخ لا يحتفظ فقط بما قيل، بل يسجل أيضا ما سكت عنه أصحابه. فالصمت في لحظات المآسي قد يكون، موقفا بحد ذاته، تماما كما أن الاحتفاء غير المعلن بالعدوان، يقرأ سياسيا بوصفه اصطفافا لا يحتاج دائما إلى إعلان صريح. وفي المقابل، يرى أنصار الحق أن الدولة المستهدفة رغم عقود من العقوبات والحصار والضغوط، استطاعت بناء قدرات علمية وصناعية وتقنية وعسكرية، وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، مع تأكيدها حقها في الدفاع عن سيادتها والرد على الاعتداءات التي تتعرض لها. ويبقى تقييم هذه الرؤية محل نقاش بين الأطراف المختلفة، شأنه شأن كثير من القضايا الدولية المعقدة. ولعل أكثر ما يثير الاستغراب هو أن المبادئ لا ينبغي أن تتجزأ؛ فدماء المدنيين لا تختلف قيمتها باختلاف الجغرافيا، والاعتداء على المقدسات لا يفقد خطورته باختلاف هوية المعتدي أو المعتدى عليه، وعندما تختزل العدالة في حسابات المصلحة، تصبح اللغة السياسية أقل قدرة على إقناع الرأي العام، وأكثر عرضة للنقد والمساءلة.
إن التاريخ، بذاكرته الطويلة، لا يخلد ضجيج البيانات بقدر ما يحفظ المواقف ساعة الامتحان. أما العدالة، فلا تستقيم بانتقائية، ولا يكتمل معناها إذا أصبح التعاطف رهينا للمصالح، أو صار الصمت رفيقا للمآسي. ويبقى الاحتفاء الخفي، مهما تنوعت مبرراته، مرآة تعكس طبيعة الموقف أكثر مما تعكس طبيعة الحدث. لأن المبادئ التي تستحضر في موطن، وتغيب في موطن آخر، تفقد كثيرا من سلطانها الأخلاقي، بينما تبقى الحقيقة، في نهاية المطاف، عصية على التزييف، ويظل الضمير الإنساني هو المعيار الأسمى الذي توزن به المواقف قبل أن تكتب في سجلات التاريخ. حيث لا ينجو من محكمة الوعي والتاريخ متواطئ أو متخازل، فالحق لا يموت، والمواقف تفضح أصحابها، وذاكرة الأجيال لا تخون الحقيقة أبدا.
كاتب دمشقي حر.