لأول مرة.. طباعة أنسجة الكبد والكلى في الفضاء تمهيدا لتطوير الطب التجديدي
منوعات
لأول مرة.. طباعة أنسجة الكبد والكلى في الفضاء تمهيدا لتطوير الطب التجديدي
12 تموز 2026 , 16:42 م

حقق باحثون إنجازا جديدا في مجال الطب الحيوي، بعدما نجحوا لأول مرة في طباعة أنسجة بشرية للكبد والكلى في الفضاء باستخدام طابعة حيوية على متن محطة الفضاء الدولية (ISS).

ويمثل هذا الإنجاز خطوة مهمة نحو تطوير تقنيات الطب التجديدي، إذ تشير النتائج إلى أن بيئة انعدام الجاذبية قد تساعد على تصنيع أنسجة حيوية أكثر انتظامًا مقارنة بتلك المنتجة على الأرض.

أول أنسجة للكبد والكلى تُطبع خارج الأرض

نفذت شركة Auxilium Biotechnologies الأمريكية، المتخصصة في التقنيات الحيوية، التجربة باستخدام الطابعة الحيوية المدارية AMP-1، التي نجحت في تصنيع أنسجة بشرية تحتوي على خلايا الكلى والكبد والغضاريف.

ويُعد هذا أول إنتاج معلن لأنسجة الكلى والكبد خارج كوكب الأرض.

وقال أنتوني أتالا، مدير معهد ويك فورست للطب التجديدي (WFIRM) وأحد الباحثين المشاركين في المشروع، إن نجاح طباعة أنسجة الكبد والكلى الحية على متن محطة الفضاء الدولية يمثل خطوة مهمة إلى الأمام في مجال الطب التجديدي.

ورغم أن المهمة لم تؤدِّ إلى إنتاج أعضاء كاملة قابلة للزراعة، فإنها أثبتت أن بيئة الجاذبية الصغرى تساعد على توزيع الخلايا بصورة أكثر تجانسًا داخل الأنسجة المطبوعة، وهو عنصر أساسي لتطوير أنسجة وأعضاء حيوية معقدة في المستقبل.

لماذا اتجه العلماء إلى الفضاء؟

شهدت تقنية الطباعة الحيوية تطورًا كبيرًا خلال العقد الماضي، مع آمال باستخدامها في تصنيع أنسجة لعلاج المرضى، ودراسة الأمراض، واختبار الأدوية.

لكن أحد أكبر التحديات بقي تأثير الجاذبية الأرضية.

فعند خلط الخلايا والجزيئات الدقيقة داخل ما يُعرف بـ"الحبر الحيوي"، تتسبب الجاذبية في ترسب هذه المكونات تدريجيًا، ما يؤدي إلى تركز الخلايا في مناطق معينة ونقصها في مناطق أخرى.

ويشبه الباحثون هذه الظاهرة بهبوط حبات التوت إلى قاع خليط الكعك قبل خبزه.

غير أن أعضاء الجسم تحتاج إلى توزيع دقيق لأنواع مختلفة من الخلايا في أماكن محددة، لأن أي خلل في هذا التوزيع قد يمنع النسيج من أداء وظيفته الطبيعية.

البداية كانت مع زراعات لإصلاح الأعصاب

واجهت شركة Auxilium هذه المشكلة أثناء تطوير غرسات طبية مخصصة لإصلاح الأعصاب، والتي يخضع بعضها حاليا للتجارب السريرية.

وكانت الشركة تسعى إلى الحفاظ على توزيع متجانس للجزيئات الدوائية داخل الغرسات لضمان وصول المركبات العلاجية إلى الأعصاب بصورة متساوية.

ولأن هذه الجزيئات كانت تترسب بفعل الجاذبية الأرضية، بدأ الباحثون دراسة إمكانية الاستفادة من بيئة الجاذبية الصغرى في الفضاء.

ولهذا الغرض، أرسلت الشركة طابعتها الحيوية المدارية AMP-1 إلى محطة الفضاء الدولية عام 2024، قبل أن توسع نطاق استخدامها في المهمة الأخيرة لتشمل تصنيع الأنسجة الحيوية.

وفي هذه المهمة، وفر باحثو معهد ويك فورست للطب التجديدي خلايا بشرية للكبد والكلى، إلى جانب التصاميم الحيوية المطلوبة، بينما وفرت شركة Auxilium منصة التصنيع الحيوي القادرة على العمل في بيئة الجاذبية الصغرى.

تصنيع عدة منتجات حيوية خلال مهمة واحدة

خلال المهمة، نجحت الطابعة الحيوية AMP-1 في تصنيع:

- أنسجة الكلى.

- أنسجة الكبد.

- أنسجة غضروفية.

كما أنتجت أيضا 28 غرسة طبية لإصلاح الأعصاب باستخدام المنصة نفسها.

وقال جاكوب كوفلر، الرئيس التنفيذي لشركة Auxilium، إن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إنتاج أنسجة للكلى والكبد في الفضاء، مما يثبت إمكانية تصنيع منتجات بيولوجية معقدة في المدار.

وأضاف أن المهمة أثبتت أيضا قدرة منصة واحدة ذاتية التشغيل على تصنيع عدة أنواع من الأنسجة والمنتجات الطبية خلال دورة تشغيل واحدة، وهو ما يمثل تقدما مهما مقارنة بالتجارب السابقة التي كانت تركز غالبا على منتج واحد فقط.

التحكم بالطابعة من الأرض

تمكن المهندسون من متابعة عمل الطابعة مباشرة من الأرض عبر كاميرات مثبتة على متنها.

كما استطاع الفريق إرسال تعليمات جديدة أثناء المهمة، ما أتاح تعديل عمليات الطباعة الحيوية حسب الحاجة دون الحاجة إلى تدخل بشري داخل محطة الفضاء.

عودة العينات إلى الأرض

عادت الأنسجة والغرسات الطبية إلى الأرض على متن مهمة AXLM-3، التي أُطلقت ضمن مهمة NASA SpaceX CRS-34.

وهبطت المركبة في مياه قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا في 17 يونيو/حزيران 2026.

ويعمل الباحثون حاليا على تحليل العينات لمعرفة مدى تأثير بيئة الجاذبية الصغرى في جودة الأنسجة وتنظيم الخلايا داخلها.

زراعة الأعضاء ما زالت بعيدة

رغم أهمية هذا الإنجاز، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلًا قبل الوصول إلى طباعة أعضاء بشرية كاملة قابلة للزراعة.

فالأنسجة التي أُنتجت خلال المهمة كانت نماذج تجريبية وليست أعضاء متكاملة يمكن استخدامها في عمليات الزرع.

ولذلك، يرى الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوة بحثية مهمة، وليس ثورة علاجية جاهزة للتطبيق السريري.

كما لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لإثبات أن تصنيع الأنسجة في الفضاء يوفر مزايا واضحة مقارنة بإنتاجها داخل المختبرات الأرضية.

آفاق مستقبلية للطب الفضائي

يرى فريق البحث أن النتائج توفر دليلا قويا على أن التخلص من تأثير الجاذبية أثناء عملية التصنيع قد يساعد في حل واحدة من أهم مشكلات الطباعة الحيوية، وهي الحفاظ على تموضع الخلايا بدقة داخل الأنسجة.

وقال أنتوني أتالا إن التوزيع المتجانس للخلايا الذي تحقق على متن محطة الفضاء الدولية يفتح آفاقا حقيقية لتصنيع الأنسجة والأجهزة الطبية في الفضاء، وهو ما قد يسهم مستقبلا في تطوير علاجات أكثر تقدما في مجال الطب التجديدي.

المصدر: Wake Forest Institute for Regenerative Medicine