كتب: موسى عبّاس
يُخْطِئُ كَثِيرُونَ حِينَ يَحْصُرُونَ مَعْنَى التَّدَخُّلِ السُّورِيِّ فِي لُبْنَانَ بِصُورَةِ الدَّبَّابَاتِ وَالحَوَاجِزِ. صحيحٌ أنّ المُعَادَلَةُ تَبَدَّلَتْ كما تبدَلَتْ الوجوهْ لَكِنَّ الشَّهِيَّةَ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
المُفَارَقَةُ أَنَّ الأَصْوَاتَ الَّتِي طَالَبَتْ بِالسِّيَادَةِ لِعَقْدَيْنِ، هِيَ اليَوْمَ مَنْ تُلَوِّحُ بِوَرَقَةِ دِمَشْقَ. لَيْسَ حُبّاً بِسُورِيَا، بَلْ عَجْزاً عَنْ مُوَاجَهَةِ مِلَفِّ السِّلَاحِ المًقاوِمً، وَهَرَباً مِنْ اسْتِحْقَاقَاتِ الضَّغْطِ الدَّوْلِيِّ. الرِّهَانُ هُنَا وَاضِحٌ: اسْتِخْدَامُ السُّلْطَةِ الجَدِيدَةِ فِي دِمَشْقَ كَـ "مُتَعَهِّدٍ بِالبَاطِنِ" لِاسْتِنْزَافِ بِيئَةِ المُقَاوَمَةِ، فِي مَهَمَّةٍ لَمْ تَنْجَحْ دَوْلَةُ الإِرْهَابِ الصُّهْيُونِيِّ بِحَسْمِهَا، تَمْهِيداً لِإِدَارَةِ لُبْنَانَ وَفْقَ نَمُوذَجِ "دَوْلَةِ خِدْمَاتٍ" بِلَا قَرَارٍ وَبِلَا عُمْقٍ اسْتِرَاتِيجِيٍّ.
— لِمَاذَا من الصّعبْ جِدّاً أنْ يَحْدُثَ الغَزْوُ؟
القِرَاءَةُ البَارِدَةُ لِلْوَاقِعِ تُسْقِطُ هَذَا الوَهْمَ.القِيَادَةُ فِي دِمَشْقَ لها حساباتها، فضْلاً عن أنها مَشْغُولَةٌ بِتَثْبِيتِ سُلْطَتِهَا الدَّاخِلِيَّةِ: مِنَ السُّوَيْدَاءِ إِلَى مَنَاطِقِ قَسَدْ، وأَيُّ مُغَامَرَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ فِي لُبْنَانَ بِطَلَبٍ أَمْرِيكِيٍّ-خَلِيجِيٍّ لن تكون مضمونة النتائج وسيَضَعها مُبَاشَرَةً فِي خَانَةِ "الشَّرِيكِ لِلكِيَانِ الصُّهْيُونِي"وَرُبَما تُتيح التمرّد الداخلي ضِدّها.فضلاً عن إحتمال كبير لتدَخُل الحشد الشعبي العراقي دعماً للمقاومة في لبنان ، علماً أنّ وَاشِنْطُنُ وَالرِّيَاضُ ورغم تحريضهما "أحمد الشرع"للقيام بمغامرة عسكريّة في لبنان ضد المقاومة إلّا أنّهما لن تُقَدِّمَا شِيكاً عَلَى بَيَاضٍ لِضَمَانِ أَمْنِ سُورِيَا أَوْ حُدُودِهَا.
لِذَلِكَ الخِيَارُ الأقرَبْ المَطْرُوحُ لَيْسَ الحَرْبَ، بَلْ "الهَيْمَنَةَ النَّاعِمَةَ":
تَرْسِيمُ شُرُوطٍ أَمْنِيَّةٍ، وَقَبْضَةٌ عَلَى المَعَابِرِ، وَرَبْطُ مِلَفِّ النَّازِحِينَ وَالوَدَائِعِ بِأَيِّ تَسْوِيَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ مَعَ بَيْرُوتَ.
— الخَطَرُ الحَقِيقِيُّ: فَتِيلٌ دَاخِلِي:
إِذَا اسْتَبْعَدْنَا الاِجْتِيَاحَ، فَالتَّهْدِيدُ الأَكْبَرُ هُوَ تَفْجِيرُ البَلَدِ مِنَ الدَّاخِلِ:
أَوَّلاً: تَوْظِيفُ الوَرَقَةِ الدِّيمُوغْرَافِيَّةِ:
مِئَاتُ آلَافِ النَّازِحِينَ السّورس . إِغْرَاءُ شَرِيحَةٍ مِنْهُمْ بِالمَالِ السِّيَاسِيِّ وَاسْتِثْمَارُ مَظَالِمَ مُتَرَاكِمَةٍ كَافٍ لِإِشْعَالِ جَبَهَاتٍ مُتَنَقِّلَةٍ في مناطق بيئةْ المقاومة تُرْهِقُ الدَّاخِلَ وَتُبْعِدُ الأَنْظَارَ عَنِ المُوَاجَهَةِ مَعَ الكِيَانِ الصُّهْيُونِي.
ثَانِياً: تَفْكِيكُ المُؤَسَّسَاتِ:
الإِصْرَارُ عَلَى بَيْعِ وَهْمِ "لُبْنَانَ الضَّاحِيَةِ السِّيَاحِيَّةِ للاثرياء العرَبْ" بِلَا سِيَادَةٍ وَلَا هُوِيَّةٍ، يَدْفَعُ البَلَدَ نَحْوَ انْقِسَامٍ أَمْنِيٍّ وَعَسْكَرِيٍّ يُعِيدُنَا لِصُوَرِ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ.
— مَنْ يَمْلِكُ مَفَاتِيحَ المَنْعِ؟
رَغْمَ قَتَامَةِ الصُّورَةِ، هُنَاكَ ثَلَاثُ كوابِحْ أَسَاسِيَّةٍ:
أَوَّلاً: حِكْمَةُ الدَّاخِلِ:
منْ يتَعَرّض للاِسْتِفْزَازِ ولديهِ القًدْرَة على الرّد يتَجَنُّبُ الاِنْجِرَارِ لِيُفْشِلُ مَشْرُوعَ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ.
ثَانِياً:تَقَاطُعُ المَصَالِحِ الإِقْلِيمِيَّةِ:
ومن شِبه المؤكّدْ أو مُنً المُفتَرضْ أنّ لَا أَنْقَرَةُ وَلَا القَاهِرَةُ تُرِيدَانِ لُبْنَاناً مُتَفَجِّراً، فليسَ منْ مصْلَحتِهما ذلك ،فالحروب والفَوْضَى تَعْنِي مَوْجَاتِ هِجْرَةٍ وَإِرْهَاباً وَيَداً لِلكِيَانِ الصُّهْيُونِيِّ طَلِيقَةً لِتَوْسِيعِ مَشَارِيعِهِ، وَهَذَا يُعتَقَدْ أنّهُ خَطٌّ أَحْمَرُ لِلِدولتَيْنْ اللتان ليستا بِمنْأى عن تلك المشاريع التي يعلِنَها قادَة الكيانْ الصهيوني.
ثَالِثاً: حِسَابَاتُ الغَرْبِ:
تَحْوِيلُ لُبْنَانَ إِلَى سَاحَةِ مَجَازِرَ يُهَدِّدُ مَصَالِحَ الطَّاقَةِ وَالبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ فِي شَرْقِ المُتَوَسِّطِ. وَهِيَ كُلْفَةٌ لَا تَسْتَطِيعُ وَاشِنْطُنُ وَعَوَاصِمُ الغَرْبِ تَحَمُّلَهَا.
في المُحَصِلَة:
يَقِفُ لُبْنَانُ اليَوْمَ مُحَاصَراً بِثَلَاثَةِ أَطْوَاقٍ: عَسْكَرِيٍّ مِنْ دَوْلَةِ الإِرْهَابِ الصُّهْيُونِيِّ، وَسِيَاسِيٍّ وَاقْتِصَادِيٍّ غَرْبِيٍّ-خَلِيجِيٍّ، وَأَمْنِيٍّ سُورِيٍّ نَاعِمٍ. الهَدَفُ المُعْلَنُ لِلجَمِيعِ وَاحِدٌ: تَجْرِيدُ لُبْنَانَ مِنْ سِلَاحِ مُقَاوَمَتِهِ وَقَرَارِهِ الاِسْتِرَاتِيجِيِّ.
لَكِنَّ عَلَى المُرَاهِنِينَ فِي الدَّاخِلِ أَنْ يَفْهَمُوا قَاعِدَةً وَاحِدَةً:
السِّيَادَةُ الَّتِي تُسَلَّمُ طَوْعاً لَا تُشْتَرَى بِفَنَادِقَ وَلَا بِاسْتِثْمَارَاتٍ. هِيَ تَتَحَوَّلُ فَوْراً إِلَى إِمْلَاءَاتٍ وَشُرُوطِ اسْتِعْبَادٍ عَلَى حِسَابِ الأَرْضِ وَالكَرَامَةِ وَالوُجُودِ.
نَحْنُ أَمَامَ اخْتِبَارِ صُمُودٍ حَقِيقِيٍّ. وَالطَّرِيقُ الوَحِيدُ لِمَنْعِ السُّقُوطِ فِي الحُفْرَةِ الَّتِي يَحْفِرُهَا لَنَا الأَعْدَاءُ وَحُلَفَاؤُهُمُ الصِّغَارُ، هُوَ الوَعْيُ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَى الفِتْنَةِ.