كتب الأستاذ محمد ايوب:
مقالات
كتب الأستاذ محمد ايوب: "حين تجتمع الجيوش العربية مع جيش الاحتلال... من يحمي أمن المنطقة؟ ومن يحمي أمن إسرائيل"؟
محمَّد أيُّوب
16 أيلول 2026 , 23:20 م

كتب الأستاذ محمد ايوب:

16/9/2026

"حين تجتمع الجيوش العربية مع جيش الاحتلال... من يحمي أمن المنطقة؟ ومن يحمي أمن إسرائيل"؟

لم يعد من الممكن التعامل مع ما يجري في المنطقة باعتباره أحداثاً منفصلة أو مجرد لقاءات أمنية عابرة.

فقد كشفت التقارير عن اجتماع عسكري غير معلن في ألمانيا، جمع رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي مع قادة جيوش السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر، بحضورالقيادةالمركزية الأميركية التي نظمت الاجتماع.

والسؤال هنا ليس فقط:

ماذا بحث المجتمعون؟

بل السؤال الأعمق:

ما الذي يعنيه أن تجلس جيوش عربية إلى جانب جيش الاحتلال، وتحت المظلة العسكرية الأميركية، في الوقت الذي تخوض فيه إسرائيل حرباً مفتوحة ضد قوى المقاومة في المنطقة؟

1. علينا أن ننظر إلى طبيعة هذه الدول وعلاقاتها بالولايات المتحدة.

لا يمكن قراءة هذا الاجتماع بعيداً عن طبيعة النظام الإقليمي القائم، وعن علاقات التبعية السياسية والأمنية والعسكرية التي تربط عدداً من هذه الأنظمة بالولايات المتحدة.

فالولايات المتحدة ليست طرفاً محايداً في الصراع؛ إنها القوة الإمبريالية الأكثر حضوراً وتأثيراً في المنطقة، ولها قواعدً وانتشارٌ عسكري وشبكاتٌ أمنيةٌ وعسكرية واسعة، بينما تتولى القيادة المركزية الأميركية إدارة جانب كبير من هذا الوجود والتنسيق العسكري.

ولهذا فإن السؤال عن استقلال القرار العسكري العربي ليس سؤالاً هامشياً.

2. أنصار الله ليسوا خارج الصراع

أنصار الله في اليمن جزء من محور المقاومة، وموقفهم من الحرب الإسرائيلية على فلسطين ومن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة معروف.

واليوم، ومع تصاعد المواجهة بين السعودية وأنصار الله، دخلت واشنطن بصورة مباشرة في مسار دعم السعودية بالمعلومات والمساندة في الاستهداف، فيما تحدثت تقارير عن تنسيق إسرائيلي–سعودي عبر القنوات الأميركية.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً:

إذاكان ما يجري هو بناء تعاون عسكري، لمواجهة أنصار الله، فهل يمكن فصل ذلك عن الصراع الأوسع بين إسرائيل ومحور المقاومة؟

3. من يخدم من؟

نحن لا نقول إن كل دولة مشاركة في الاجتماع تتصرف بالطريقة نفسها، ولا يجوز اختزال سياسات سبع دول في موقف واحد.

لكننا نقرأ الاتجاه العام:

جيش الاحتلال الإسرائيلي يجلس مع جيوش عربية في اجتماع تنظمه القيادةالمركزيةالأميركية، فيما يجري الحديث عن مواجهة إيران وأنصار الله، بينما تستمر الحرب والصراع مع قوى المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن.

وهنا لا بد من طرح السؤال الطبقي والسياسي:

هل يجري بناء منظومة أمن إقليمية مستقلة للدفاع عن مصالح الشعوب العربية، أم يجري دمج أجزاء من النظام العسكري العربي في منظومة أمنية تقودها الولايات المتحدة، ويصبح الاحتلال الإسرائيلي جزءاً من بنيتها؟

4. الصمت ليس موقفاً محايداً عندما يتحول إلى اصطفاف.

لقد شاهدنا خلال السنوات الماضية كيف تعرضت فلسطين ولبنان والعراق واليمن للعدوان والحصار والضغوط، بينما بقي النظام الرسمي العربي عاجزاً عن بناء موقف عربي مستقل يضع مواجهة الاحتلال في مقدمة أولوياته.

أما عندما يتعلق الأمر بحماية المصالح الاستراتيجية الأميركية، وتأمين الممرات البحرية، ومواجهة قوى المقاومة، فإن التنسيق العسكري يصبح أكثر سرعة ووضوحاً.

وهذا التناقض يستحق أن يُطرَحَ أمام الرأي العام العربي.

فإذا كان أمن المنطقة يعني حماية الملاحة والطاقة والمصالح الاستراتيجية، فأين هو أمن الشعب الفلسطيني؟ وأين هو أمن لبنان؟ وأين هو حق الشعوب في مقاومة الاحتلال؟

5. القضية أبعد من اجتماع عسكري.

ما يجري ليس مجرد صورة لقادة عسكريين اجتمعوا في ألمانيا.

إنه مؤشر على تحوُّلات أعمق في بنية المنطقة:

الولايات المتحدةتقود،وإسرائيل حاضرة، وبعض الأنظمة العربية تنخرط في التنسيق العسكري، بينما تُدفع قوى المقاومة إلى موقع "الخطر" الذي ينبغي مواجهتُه.

وهنا تصبح مهمة القوى الوطنية والتقدمية واليسارية أكثرَإلحاحاً: وهي أن تكشف طبيعةَ التحالفات القائمة، وأن تُميِّزَ بين أمنِ الشعوب وأمن الأنظمة ومصالح رأس المال المرتبط بالمركز الإمبريالي.

فالأمنُ الحقيقيُّ للمنطقة لا يبدأُ من حماية الاحتلال، ولا من محاصرةِ قوى المقاومة، ولا من تحويل الجيوشِ العربية إلى أدواتٍ في منظومةٍ أمنيةٍ تقودها واشنطن.

الأمنُ الحقيقيُّ يبدأ من إنهاءِ الاحتلال، ووقفِ العُدوان، ورفضِ التبعية، واستعادةِ القرار الوطني والقومي المستقل، وربطِ الأمنِ بمصالح الشعوب لابمصالح الإمبريالية وحلفائها.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي يجب ألا نهرب منه:

إذا كان جيشُ الاحتلالِ يجلسُ اليومَ إلى جانبِ جيوشٍ عربيةٍ، تحت المظلة الأميركية، لمناقشة أمن المنطقة ومواجهة خصوم إسرائيل، فهل نحن أمام تحالف لحماية أمن الشعوب، أم أمام إعادة تشكيل للمنطقة بما يضمن أمن إسرائيل والمصالح الأميركية؟

هذا السؤال لا يحتاج إلى مجاملة أحد.

والحقيقة، مهما كانت قاسية، يجبُ أن تُقال.