بقلم: د. هناء سعادة
لا تحمل السجلات الذهبية في المتاحف الوطنية عادة سوى كلمات بروتوكولية عابرة، غير أن بعض التوقيعات تتحول، مع مرور الزمن، إلى وثائق سياسية وتاريخية تختزل رؤية أصحابها، وتعكس طبيعة العلاقة بين الشعوب. ومن بين تلك الصفحات التي احتفظ بها التاريخ، تبرز الكلمات التي دوّنها الشهيد السيد علي خامنئي في السجل الذهبي لمتحف المجاهد بالجزائر، خلال زيارته الرسمية للبلاد صيف عام 1982، بعد فترة وجيزة من انتخابه رئيساً للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وجاءت الزيارة في مرحلة إقليمية ودولية دقيقة، شملت أيضاً ليبيا وسوريا، غير أن محطة الجزائر اكتسبت دلالة خاصة، نظراً إلى ما يجمع البلدين من إرث ثوري عريق وتجربة تاريخية مشتركة في مقاومة الهيمنة الأجنبية، والدفاع عن حق الشعوب في الحرية والاستقلال وصون السيادة الوطنية. فقد صنعت الجزائر واحدة من أعظم ثورات التحرر في القرن العشرين، بينما جاءت الثورة الإسلامية في إيران لتؤسس بدورها مشروعاً سياسياً رفع شعار الاستقلال ورفض التبعية، الأمر الذي جعل العلاقات بين البلدين تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، وترتكز على ذاكرة نضالية ورؤية مشتركة تجاه قضايا التحرر في العالم.
وخلال زيارته لمتحف المجاهد، الذي يوثق مسيرة الكفاح الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، وقّع الشهيد السيد علي خامنئي السجل الذهبي للمتحف، مستهلاً كلماته بالآية الكريمة:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
ولم يكن اختيار هذه الآية الكريمة أمراً عفوياً، وإنما جاء منسجماً مع رمزية المكان الذي يحتضن ذاكرة أمة صنعت استقلالها بتضحيات أبنائها، حيث تتجسد قيم الشهادة والفداء والصمود التي شكلت جوهر الثورة الجزائرية، كما احتلت مكانة مركزية في الثقافة السياسية الإيرانية بعد انتصار الثورة الإسلامية.
وعقب الاستشهاد بالآية الكريمة، عبّر الشهيد السيد علي خامنئي، باسم حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وشعبها، عن بالغ تقديره للشعب الجزائري، وخصّ بالتحية المجاهدين الذين صنعوا ملحمة التحرير، مؤكداً احترام إيران العميق لنضال الجزائر وتضحيات شعبها في مواجهة الاستعمار.
كما شملت الزيارة مقام الشهيد في الجزائر العاصمة، في محطة حملت أبعاداً رمزية عميقة، تكريماً لشهداء الجزائر الذين قدّمت تضحياتهم إحدى أعظم ملاحم التحرر في التاريخ الحديث. ويُقدَّر عدد شهداء الجزائر بنحو خمسة ملايين وستمائة وثلاثين ألف شهيد منذ بداية الاحتلال الفرنسي عام 1830 حتى استعادة الاستقلال عام 1962، وهو رقم يشمل شهداء المقاومات الشعبية المتعاقبة، وضحايا المجازر الاستعمارية، وشهداء ثورة التحرير الوطنية. ويُقسَّم هذا الرصيد التاريخي إلى أكثر من أربعة ملايين شهيد ارتقوا خلال مرحلة المقاومة الشعبية الممتدة بين عامي 1830 و1954، وإلى نحو مليون ونصف المليون شهيد قدّمتهم ثورة التحرير المباركة بين عامي 1954 و1962، لتبقى الجزائر واحدة من أكثر شعوب العالم تقديماً للتضحيات في سبيل الحرية والاستقلال. ومن هذا المنطلق، اكتسبت زيارة الشهيد السيد علي خامنئي للمقام بعداً سياسياً وتاريخياً يتجاوز المجاملة الدبلوماسية، إذ مثّلت وقفة وفاء أمام ذاكرة شعب صنع استقلاله بدماء الملايين، ورسخت ما يجمع الجزائر وإيران من تقدير راسخ لقيم الشهادة والمقاومة والتحرر الوطني.
وجاءت هذه الزيارة في مرحلة كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ترسم خلالها ملامح سياستها الخارجية، وتعمل على توسيع علاقاتها مع الدول التي خاضت تجارب تحرر وطني، وفي مقدمتها الجزائر التي تحولت، منذ استقلالها، إلى رمز عالمي لمقاومة الاستعمار، وإلى مرجع تاريخي لحركات التحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وتتقاسم الجزائر وإيران إرثاً سياسياً وثورياً يقوم على تمجيد تضحيات الشهداء، وصون الاستقلال الوطني، ورفض الهيمنة الخارجية، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. ولذلك لم تكن الروابط بين البلدين وليدة المصالح الظرفية، بل تأسست على ذاكرة مشتركة من النضال، وعلى قناعة راسخة بأن الشعوب التي دفعت أثماناً باهظة من أجل حريتها تمتلك مسؤولية أخلاقية في الدفاع عن قضايا التحرر والعدالة.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على تلك الزيارة، تكتسب الكلمات التي دوّنها الشهيد السيد علي خامنئي في السجل الذهبي لمتحف المجاهد قيمة تاريخية مضاعفة، بعدما غدت وثيقة تختصر عمق العلاقة بين بلدين جمعتهما تضحيات الشهداء، وتجسد مرحلة مهمة من مسار التقارب بين الجزائر وإيران. كما تعكس تلك الكلمات رسالة وفاء لرموز التحرر الوطني، وتؤكد أن ذاكرة الأمم تحفظها المواقف الصادقة بقدر ما تحفظها الوثائق الرسمية، وأن التقدير المتبادل بين الشعوب يبقى أكثر رسوخاً عندما يستند إلى تاريخ مشترك من المقاومة والتضحيات والنضال من أجل الحرية والاستقلال.